تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
واشتروا صفته . ومعناه باعوا أو شروا بحسب ظنهم فإنهم ظنوا أنهم خلّصوا أنفسهم من
شرح
يحذف لقرينة ولا بد أن يكون المخصوص بالمدح أو الذم من جنس الفاعل المذكور بعد « نعم » و « بئس » كزيد فإنه من جنس الرجل . فتقدير قوله تعالى : ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا ساء مثلا مثل القوم فحذف المخصوص بالذم المضاف إلى القوم لدلالة القرينة عليه . وكلمة « ما » بعد « بئس » في قوله :بِئْسَمَا اشْتَرَوْااختلف فيها النحاة هل لها محل من الإعراب أو لا ؟ فذهب الفراء إلى أنها مع « بئس » شيء واحد ركب تركيب « حبذا » فلا يكون لها محل من الإعراب ، وذهب الجمهور إلى أن لها محلا . ثم اختلفوا هل محلها رفع أو نصب ؟ فذهب الأخفش إلى أنها في محل النصب على التمييز والجملة بعدها في محل النصب على أنها صفة لها ، وفاعل « بئس » ضمير يفسره « ما » والمخصوص بالذم هو قوله : « أن يكفروا » لأنه في تأويل المصدر والتقدير : بئس هو شيئا اشتروا به أنفسهم كفرهم . واختاره المصنف والزمخشري . وقيل : يجوز أن تكون « ما » مصدرية والتقدير : « بئس اشتراؤهم » فيكون « ما » وما في حيزها في محل الرفع على أنه فاعل « بئس » . واعترض عليه بأن فاعل « بئس » لا يكون اسما يتعرف بالإضافة بل يكون « إما » معرفا باللام أو مضافا إلى المعرف باللام أو مضمرا مفسرا بنكرة . وأجيب بأن من قال إنها مصدرية لم يصرح بأن المصدر المؤول مرفوع « بئس » حتى يرد الاعتراض لجواز أن يكون مراده كونه المخصوص بالذم وكون فاعل بئس مضمرا حذف مميزه لدلالة القرينة عليه ، والتقدير : بئس اشتراء اشتراؤهم . قوله : ( ومعناه باعوا ) الاشتراء من الأضداد وإنما فسره بالبيع لأنهم لما اختاروا الكفر وبذلوا أنفسهم فيه جعلوا كأنهم بذلوا سلعتهم التي هي أنفسهم لإصابة ما يكون عوضا عنها وهو الكفر الذي يؤديهم إلى الخلود في النار مع تمكنهم من اختيار الإيمان وصالحات الأعمال المؤدية إلى سعادة الأبد . ويؤيد هذا المعنى ما ورد في الحديث « كل الناس يغدو فبائع نفسه فإما أن يعتقها أو يوبقها فإن أخذ بدل نفسه التي بدلها الإيمان والطاعة أعتقها وإن أخذ بدلها الكفر والمعصية فقد أوبقها وضيعها » شبه مرور الأزمان وانقضاء الأنفاس في اكتساب الطاعة والمعصية ببيع النفس بمقابلة ما كسبه واستفاده من الخير والشر . فأطلق على المشبه به ما وضع بإزاء المشبه وهو لفظ البيع استعارة أصلية ثم استعير منه إلى المشتق فصارت تبعية ، ثم جوز أن يكون الاشتراء بمعنى الشراء بناء على أن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب اللّه تعالى فأتى بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب صار كأنه اشترى نفسه بتلك الأعمال . فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ويوصلهم إلى الثواب ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بذلك فذمهم اللّه تعالى بقوله :بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ.
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 154 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين