أنهم لعنوا لكفرهم ، فتكون اللام للعهد ، ويجوز أن تكون للجنس ، ويدخلون فيه دخولا أوّليّا لأن الكلام فيهم .
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ
ما نكرة بمعنى شيء مميزة لفاعل بئس المستكن ،
شرح
الناس بالباطل فلذلك أبوا عن اتباعه وأصروا على الإنكار ، ويحتمل أن يكون ذلك لأجل أنهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به . قوله : ( دخولا أوليّا ) أي أصالة لا تبعا لأنهم هم المقصودون بالذات وإن تناول اللفظ غيرهم . ونظيره ما إذا ظلمك إنسان فقلت : لعنة اللّه على الظالمين فإنه يدخل فيه هذا الظالم دخولا أوليا والباقون تبعا له ، لأن الكلام سيق له بالأصالة . قال الإمام : قوله :فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِيدل على أنهم كانوا عارفين بنبوته عليه الصلاة والسّلام . وفيه سؤال وهو أن التوراة نقلت نقلا متواترا فإما أن يقال إنه حصل فيها نعت محمد عليه الصلاة والسّلام على سبيل التعيين بأنه الشخص الموصوف بالصورة الفلانية والسيرة الفلانية وسيظهر في السنة الفلانية في المكان الفلاني ، أو لم يوجد التوصيف على الوجه الذي يعينه بشخصه . فإن كان الأول كان القول مضطرين إلى معرفة شهادة التوراة على صدق محمد عليه الصلاة والسّلام فكيف يجوز على أهل التوراة إطباقهم على الكذب ؟ وإن كان الثاني لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة كون صاحب تلك الأوصاف هو محمد عليه الصلاة والسّلام بعينه فكيف قال تعالى :فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ؟ والجواب أن الوصف المذكور في التوراة كان وصفا إجماليا ، وأما محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإنهم لم يعرفوا نبوته بمجيء تلك الأوصاف بل بظهور المعجزات وكانت تلك الأوصاف كالمؤكدة لها فلهذا ذمهم اللّه تعالى على الإنكار .
قوله : ( ما نكرة بمعنى شيء ) اعلم أن أفعال المدح والذم لا تعمل إلا في الاسم المعرف بلام الجنس أو في الاسم المضاف إلى المعرف باللام أو في ضمير مفسر بنكرة منصوبة على التمييز . فنحو قوله : « فنعم صاحب قوم السلاح » لهم نادر لا يعتد به وإذا قلت : « نعم الرجل زيد » فزيد إما مبتدأ مؤخر كأنه قيل : زيد نعم الرجل لأنه أخر على نية التقديم واستغنى عن الراجع إلى المبتدأ من حيث إن المراد بالرجل الجنس الشائع في جميع آحاده ، فلما كان زيد داخلا تحته كان بمنزلة الضمير الراجع إلى زيد . وإما أن يكون زيد خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل : نعم الرجل قيل : من هذا الذي أثنى عليه ؟ فقيل : زيد أي هو زيد ، وكذا الكلام في نحو قولك : « نعم غلام الرجل زيد » . والأصل في قولك : « نعم رجلا زيد » أن ضمير الفاعل للاختصاص والاكتفاء لأن النكرة المنصوبة تدل عليه ، ورجلا منصوب على التمييز كما في قولك : عشرون رجلا والمميز لا يكون إلا نكرة ، ولا بد بعد ذكر هذين الفعلين مع فاعلهما الصريح أو المضمر والمميز من أنه يذكر المخصوص بالمدح أو الذم وقد