تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وإذا أسر أحد من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه . وقيل : معناه إن يأتوكم أسارى في أيدي الشياطين تتصدّون لإنقاذهم بالإرشاد والوعظ مع تضييعكم أنفسكم كقوله تعالى :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
[ البقرة : 44 ] وقرأ حمزة أسرى وهو جمع أسير كجريح
شرح
كانوا فريقين : اليهود والمشركين وكل واحد منهما كانوا قبيلتين ، أما اليهود فبنو قريظة وبنو النضير ، وأما المشركون فالأوس والخزرج . وكان بين الأوس والخزرج عداوة قديمة يحاربون بسببها تارات ولا يخلون عن المقاتلات وتخريب الديار وإهلاك المواشي وأسر بعضهم بعضا وإجلاء الغائب المغلوب عن أوطانهم ، فاستحلف الأوس بني قريظة والخزرج بني النضير على أن ينصر كل واحد منهما حليفه من المشركين . فلزم من ذلك أن يقع القتال بين اليهود من غير أن يكون بين اليهود أنفسهم مخاصمة وعداوة وإنما يقاتلون منضمين إلى حلفائهم إذا حاولوا مقاتلة أعدائهم ، فيقاتل كل فريق مع حلفائهم فريقا آخر مع حلفائه لينصر كل فريق حليفه ، فإذا أسر أحد من فريقي بني قريظة وبني النضير جمعوا له حتى يفدوه . وذكر في الحواشي السعدية : أن ضمير « جمعوا » لمجموع الفريقين أي جمع مجموع الفريقين من المال ويفدونه أي يعطونه لمن أسره من المشركين ويجعلونه فداء للأسير يشترونه ويخلصونه من يد المشركين . فإن الفداء العوض الذي يعطي لأجل تخليص المحبوس يقال : فديت الأسير بالشيء إذا أعطيته فداء له وخلصته به من يد من حبسه . قوله : ( وقيل معناه ) قال الراغب نقلا عن بعض الفضلاء : إن اللّه تعالى نبه بهذه الآية مع المعنى الظاهر على لطيفة وهي أن في قوله تعالى :تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْتنبيها على أنكم تسعون في اكتساب ما تستحقون به عقاب اللّه تعالى الذي يجري مجرى قتل النفس ، ونبه بقوله :وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْعلى أنكم تضيعون بعض قواكم ولا تستعملونه في مواضع استعماله فكأنكم تخرجونه من دياره ، فإن من هذب قوته القائمة ثم سعى ضيع قوته العاملة بالتقصير في الأعمال الصالحة فكأنه أخرجها من محلها الذي جعله اللّه تعالى محلا لها ، وكذا الحال إذا ضبط قوته الشهوية ولم يضبط قوته الغضبية . ونبه بقوله :وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْعلى أنكم تتصدقون على غيركم الذي استولى عليه الشيطان بتسويله وتزيين ما فعله من سوء عمله بأنواع النصح والإرشاد إلى طريق الخلاص مع تضييعكم أنفسكم كقوله تعالى :أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ[ البقرة : 44 ] وعلى ذلك قول من قال : كفى بالمرء تهزيا أن يعظ غيره وينسى نفسه . قوله : ( وقرأ حمزة أسرى ) تفدوهم بغير ألف فيهما . وقرأ نافع وعاصم والكسائي « أسارى تفادوهم » بالألف فيهما . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر « أسارى » بالألف « تفدوهم » بغير الألف والأسرى جمع أسير على القياس ، فإن أسيرا فعيل بمعنى مفعول أي مأسور ومشدود بالأسر وهو القيد الذي يربط به . سمي الأسير أسيرا لكونه مشدودا بالأسر