تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ
استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق والإقرار به والشهادة عليه . وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره على معنى أنتم بعد ذلك هؤلاء الناقضون ، كقولك : أنت ذاك
شرح
أسلافهم لقوله :تَشْهَدُونَعلى إقرار أسلافكم ، إلا أنه أسند كل واحد من الفعلين إلى الأخلاف الحاضرين بشهادة خطاب المشافهة فيكون إسناد الفعل الأول إليهم مجازا نظرا إلى اتصالهم بأسلافهم واتحادهم معهم نسبا ودينا . والخطاب في قوله تعالى :ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْالخ للأخلاف الحاضرين ، وكلمة « ثم » فيه ليست للتراخي الزماني كما هو أصل معناه وإن كان ما ارتكبوه من القتل والإخراج وتظاهرهم على المخرجين بالإثم والعدوان متراخيا بحسب الزمان عن الميثاق والإقرار به والشهادة عليه ، بل هي للتراخي الرتبي واستبعاد آخر أحوالهم من أولها . فصح استبعاد القتل والإجلاء والتظاهر المذكورة من الأخلاف وإن وقع الميثاق والإقرار والشهادة من أسلافهم لما ذكرنا من الاتصال والاتحاد ، وإلا فلا وجه لاستبعاد القتل والإجلاء ممن لم يصدر عنه شيء من الميثاق والإقرار به والشهادة عليه . قوله : ( وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره ) فيكون مدلول الكلام حمل ذوات محسوسة يشار إليها إشارة حسية على ذوات المخاطبين . ولا شك أن ذاتي الموضوع والمحمول لا يجوز اتحادهما ذاتا ووصفا وإلا لزم حمل الشيء على نفسه مثل من يقول : أنتم أنتم بل يجب أن يكونا متغايرين إما بحسب الذات أو بحسب الوصف والاعتبار ، والأول محال ضرورة امتناع أن يحمل أحد المتغايرين ذاتا على الآخر . فتعيّن أن يتغايرا بحسب الوصف وأن يكون المعنى : أنتم أيها الحاضرون الموصوفون بتوثيق عهدي والإقرار به والشهادة عليه قوم آخرون حيث غيرتم ما كنتم عليه من الأحوال والأوصاف ، فإنكم قد كنتم أعطيتم الميثاق بأن لا تسفكوا دماءكم والآن تنقضون ذلك العهد حيث تقتلون أنفسكم . وأيضا قد كنتم أعطيتم الميثاق بأن لا تخرجوا أنفسكم من دياركم والآن تنقضون ذلك العهد حيث تخرجون فريقا منكم من ديارهم . فكأنه قيل : ثم أنتم أيها الذين أخذ عليهم الميثاق وأقروا به وشهدوا عليه هؤلاء الناقضون عهدهم والمغيرون أوصافهم وأحوالهم . فنزّل تغاير الصفة منزلة تغاير الذات فإن من خرج ملابسا لوصف إذا رجع بوصف آخر يقال له : رجعت بغير الوصف الذي خرجت به يكنون بتغير الوصف عن تغير الذات ، كأنه قيل : ذهب بك وجيء بغيرك . وكذا قول المصنف « أنت ذاك الرجل الذي فعل كذا » كأنه قيل : أنت لست بالرجل الموصوف بحسن الفعال بل أنت ذاك الرجل الذي فعل كذا . وهذا معنى ما ذكر في الحواشي السعدية من أن دلالة قوله :ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِعلى اعتبار التغاير إنما جاءت من قبل البيان بقوله :تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْإشارة إلى نقضلا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْوبقوله :