تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
الرجل الذي فعل كذا نزّل تغير الصفة منزلة تغير الذات ، وعدّهم باعتبار ما أسند إليهم حضورا أو باعتبار ما سيحكي عنهم غيّبا . وقوله تعالى :
تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ
إمّا حال والعامل فيها معنى الإشارة أو بيان لهذه الجملة . وقيل : هؤلاء تأكيد والخبر هو الجملة .
شرح
وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْإشارة إلى نقضلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ .قوله : ( وعدهم باعتبار ما أسند إليهم حضورا وباعتبار ما سيحكي عنهم غيبا ) جواب عما يقال : من أن قوله :أَنْتُمْللحاضر وهؤُلاءِللغائب فكيف يصح أن يحكم على الجماعة الحاضرين بأنكم هؤلاء الغيب ؟ والحاصل أن المراد ب « أنتم » و « هؤلاء » جماعة واحدة وتوهم لزوم حمل الشيء على نفسه قد اضمحل باعتبار تغاير الصفة ، فالمخلص من لزوم كون جماعة واحدة حضورا وغيبا معا ؟ ومبنى الجواب اعتبار التغاير الاعتباري فيها أيضا فإنهم كالحضر باعتبار ما أسند إليهم وأخبر به عنهم وهو اسم الإشارة ، فإن وضعه للمشار إليه حسا ولا يشار بالإشارة الحسية في الأغلب إلا إلى الحاضر . وكالغيب باعتبار ما سيحكى عنهم مما يدل على نقض العهد والتعاون بالإثم والعدوان فإن قبائح الرجل ورذائله تبعده عن ساحة قرب الحضور وتسقطه عن منزلة أن يتوجه إليه ويخاطب . فبالاعتبار الأول خوطبوا وعبر عنهم « بأنتم » ، وبالاعتبار الثاني جعلوا غيبا وعبر عنهم ب « هؤلاء » . ويحتمل أن يكون المراد بما أسند إليهم إعطاءهم العهد على رعاية ما كلفوا به وإقرارهم بذلك وشهادتهم به ، فإن قبول التكليف والتزام تحمله طاعة وفضيلة يستحق المرء به أن يقرب ويخاطب . فلذلك خاطبهم اللّه تعالى بقوله :وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْإلى قوله :ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ .قوله : ( إما حال ) يعني أن قوله تعالى :تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْإما حال من قوله : « أولاء » والعامل فيها اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل ، وقد ساغ في قول العرب جعل الضمائر مبتدأ والإخبار عنها باسم الإشارة ونصب الحال منه فإنهم يقولون : ها أنت ذا قائما ، وها أنا ذا قائما ، وها هو ذا قائما ، فيجعلون اسم الإشارة خبرا عن الضمير في اللفظ والمعنى على الإخبار بالحال فكأنهم يقولون : أنت الحاضر وأنا الحاضر وهو الحاضر في هذه الحال . ويدل على أن جملةتَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْحال وقوع الحال الصريحة موقعها في مثل قول العرب : ها أنا ذا قائما . ويحتمل أن يكون جملةتَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْبيانا للجملة الاسمية التي قبلها بأن يكون جملة مستأنفة جيء بها بيانا لما قبلها ، كأنه لما قيل :ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِقالوا : كيف نحن ؟ فجيء بقوله :تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْبيانا له . والمعنى أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم تقتلون أنفسكم أي أهل ملتكم .