ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ
بالميثاق واعترفتم بلزومه .
وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
( 84 ) توكيد كقولك : أقر فلان شاهدا على نفسه . وقيل : وأنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازا .
شرح
قتل نفسه عن السبب الذي هو قتل غيره . والثالث أن المراد النهي عن ارتكاب ما يكون سببا لقتلهم وإخراجهم سواء كان ذلك السبب قتل الغير بغير حق أو غير ذلك كالزنى وقطع الطريق ، فذكر المسبب وأراد السبب . والرابع أن المراد من سفك دمائهم نهيهم عن ارتكاب ما يكون سببا للموت الحقيقي الذي هو موت قلوبهم بخلوها عن معرفة اللّه تعالى وعن العقائد الدينية التي هي الحياة الحقيقية الأبدية بالنسبة إليها ، ومن إخراج أنفسهم من ديارهم نهيهم عن اقتراف ما يمنعها عن دخول الجنة التي هي الدار الأصلي للإنسان والحرمان من دخولها هو الجلاء الحقيقي .
قوله : ( ثم أقررتم بالميثاق ) أي بإعطائكم إياه وقبولكم أمر اللّه والتزامكم الوفاء به .
قوله : ( واعترفتم بلزومه ) عطف تفسير له ، لأن الإقرار بالشيء في معنى الاعتراف بلزوم ذلك الشيء على المقر وثبوته في ذمته . قوله : ( وأنتم تشهدون توكيد ) يريد أنه تذييل للجملة الأولى ، لأن الإقرار على النفس بمنزلة الشهادة عليها من حيث إنه يشبه شهادة من يشهد على غيره في أن كل واحد منهما حجة ملزمة . وكلمة « ثم » على بابها من حيث إنها جيء بها للعطف والتراخي والمعطوف عليه محذوف تقديره : فقبلتم أمر اللّه المؤكد ثم أقررتم بالقبول والالتزام وأنتم تشهدون . فيكون كل واحد من الخطابين للأسلاف الغائبين على طريق الالتفات للمبالغة في التقريع والتوبيخ ، ويكون إسناد الإقرار والشهادة إليهم حقيقة لكونهما فعل الأسلاف حقيقة . ويحتمل أن يكون كل واحد من الخطابين للأسلاف والأخلاف جميعا على سبيل تغليب الحاضرين على الأسلاف الغائبين ويكون إسناد فعل الأسلاف إلى الجميع مجازا لكون الجميع في حكم جماعة واحدة لاتحادهم نسبا ودينا ، فهو من قبيل إسناد فعل البعض إلى الكل كما في قولهم : بنو فلان قتلوا زيدا والقاتل واحد منهم . والظاهر أن كل واحد من الخطابين متوجه إلى الأخلاف الحاضرين لأن خطاب المشافهة ينبغي أن يتوجه إلى الحاضر لكن أسند أفعال الأسلاف إلى الحاضرين مجازا لكونهم على طريق أسلافهم ومتصلين بهم نسبا ودينا . عن الراغب أنه قال : قوله :ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَيصح أن يكونا جميعا خطابين للسلف وأن يكونا للخلف الحاضر وقت الخطاب ، وأن يكون الأول للسلف والآخر للخلف . قوله : ( وقيل وأنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم ) فعلى هذا القول يكون خطابتَشْهَدُونَللأخلاف الحاضرين ويكون إسناد الشهادة إليهم حقيقة لكونها فعلهم بخلاف الإقرار فإنه فعل