وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ
على نحو ما سبق . والمراد به أن لا يتعرض بعضهم بعضا بالقتل والإجلاء عن الوطن .
وإنما جعل قتل الرجل غيره قتل نفسه لاتصاله به نسبا أو دينا أو لأنه يوجبه قصاصا .
وقيل : معناه لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم ، أو لا تفعلوا ما يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ، ولا تقترفوا ما تمنعون به عن الجنة التي هي داركم فإنه الجلاء الحقيقي .
شرح
متخبطا ، وفهم منه أن الإعراض بمعنى التولي مغاير للإعراض بهذا المعنى الأصلي ولم يبين ذلك المعنى بخصوصه . فقيل : ذلك المعنى أن يرجع سالك المنهج عن سمته رجوعا عوده على بدئه وهذا المعنى هو المعنى الأصلي للتولي ، فالمتولي أقرب إلى الوصول إلى المقصد بالنسبة إلى المعرض بالمعنى الأصلي له ، والمعرض أسوأ حالا منه لأن المتولي متى ندم على رجوعه سهل عليه العود إلى سلوك المنهج الموصل إلى المقصد بخلاف المعرض فإنه إذا ندم على عدوله عن سمته وأخذه في عرض الطريق متخبطا وأراد سلوك المنهج المؤدي إلى مطلوبه فإنه يحتاج إلى طلب متجدد لمنهجه ويعسر عليه وجدانه لأنه تركه وخرج عنه بالكلية . قوله : ( على نحو ما سبق ) يعني أن قوله تعالى :لا تَسْفِكُونَوَلا تُخْرِجُونَإخباران في معنى النهي لأنه أبلغ من صريح النهي . ويحتمل أن يكون تقدير الكلام « أن لا تسفكوا » « وأن لا تخرجوا » فلما حذفت « أن » الناصبة رفع الفعل بناء على أن زوال المؤثر يستلزم زوال الأثر . ويحتمل أن يكون ارتفاعه على أن يكون جواب القسم الذي دل عليه المعنى كما قيل فيلا تَعْبُدُونَ .قوله : ( والمراد به أن لا يتعرض بعضهم بعضا بالقتل والإجلاء عن الوطن ) فإن سفك الدم أي صبه عبارة عن القتل ، والجلاء الخروج من الوطن يقال : جلوا عن أوطانهم وأجليتهم أنا . وهو جواب عما يقال : إنما ينهى عن الشيء إذا صح أن يفعل الإنسان ذلك الشيء باختياره على تقدير أن لا ينهى عنه ، والإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه فلا فائدة في النهي عنه وأخذ الميثاق عليه . وأجاب عنه بوجوه : الأول أن المراد لا يسفك بعضكم دم بعض بغير حق ولا يخرج بعضكم بعضا من داره بأن يغلبه عليها إلا أنه جعل مقتول الرجل ومخرجه نفس ذلك الرجل مع أنه غيره لملابسته بالرجل نسبا أو دينا أو نحوهما ، فكان غير الرجل بمنزلة نفسه بهذه الملابسة وكان ما فعله بغيره كأنه فعله بنفسه كما في قوله تعالى :فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ[ النور : 61 ] أي ليسلم بعضكم على بعض جعل اتحاد اثنين بحسب الوصف بمنزلة اتحادهما ذاتا ، فجعل أحدهما نفس الآخر مجازا . والثاني أن قتل الرجل غيره بغير حق سبب موجب لأن يقتل نفسه قصاصا ، فعبّر باسم المسبب وهو