تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
ولعلّ الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن قبلهم على التغليب أي أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه .
إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ
يريد به من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ومن أسلم منهم .
وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ
( 83 ) قوم عادتكم الإعراض عن الوفاء والطاعة . وأصل الإعراض الذهاب عن المواجهة إلى جهة العرض .
شرح
الحاضر أتم وأقوى من تقريع الغائب . قوله : ( ولعل الخطاب مع الموجودين الخ ) إشارة إلى وجه آخر لسلوك طريق الخطاب غير الالتفات وهو تغليب المخاطبين على الغائبين ، لأن قوله :ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْخطاب مشافهة فالظاهر أن يتعلق بالحاضرين وأن يدخل الأسلاف في خطابهم بطريق التغليب ، وعلى تقدير أن يحمل الكلام على الالتفات يكون خطاب المشافهة متعلقا بالغائبين فقط وهو بعيد . والمعنى : أخذنا منكم يا بني إسرائيل ميثاقكم أي ما يستحكم به عهدي إليكم وتكليفي إياكم برعاية الأمور المذكورة جميعا من قبولكم والتزامكم رعايتها وعدم تضييع شيء منها ثم توليتم عن الميثاق ورفضتموه . والحاضرون الموجودون في عصره عليه الصلاة والسّلام وإن لم يلتزموا رعاية التكاليف المذكورة في التوراة ولم يقبلوها صريحا ، إلا أنه لما أوجبت الحجة عليهم التزامها وقبولها صاروا بمنزلة من التزمها وقبلها وأوثق عهد اللّه تعالى بذلك . قوله : ( ومن أسلم منهم ) أي بعد نسخ حكم التوراة كعبد اللّه بن سلام وأضرابه ، ولو لم يكن الخطاب مع الموجودين منهم في عهد الرسول عليه الصلاة والسّلام لما حسن استثناء من أسلم منهم ، والمشهور نصب قليلا على ذلك الاستثناء لوقوع المستثنى منه في كلام موجب إلا أنه روي عن أبي عمرو وغيره « إلا قليل » بالرفع . قوله : ( قوم عادتكم الإعراض عن الوفاء ) معنى الاعتياد مستفاد من اسمية الجملة فإنها تدل على الثبات والاستمرار ، فكأنه قيل : فإن توليتم وأعرضتم عن الوفاء بما أخذته عليكم من العهد والميثاق فلا عجب لأنكم قوم عادتكم التولي والإعراض ، فيكون قوله تعالى :وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَتذييلا لقوله :ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْوالتذييل أن يقطع الكلام بما يشتمل على معناه تأكيدا له ولا محل له من الإعراب كما لا محل للجملة المعترضة والمقصود منها تأكيد الكلام أيضا . والفرق بينهما أن التذييل إنما يكون بعد تمام الكلام والاعتراض أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر تأكيدا للكلام ، ويجوز أن يكون قوله تعالى :وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَحالا مؤكدة بمعنى : ثم توليتم معرضين كقوله :ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ[ التوبة : 25 ] . قوله : ( وأصل الإعراض الخ ) جعل التولي والإعراض أولا بمعنى واحد حيث قال في تفسير قوله تعالى :ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْأي أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه . وبيّن للإعراض ههنا معنى آخر وجعله معنى أصليا له وهو أن يترك سالك المنهج جهة مواجهته ويذهب إلى جهة عرض الطريق