وقيل : إنه جواب قسم دلّ عليه المعنى كأنه قال : حلفناهم لا تعبدون . وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بالتاء حكاية لما خوطبوا به ، والباقون بالياء لأنهم غيب .
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
متعلق بمضمر تقديره وتحسنون ، أو وأحسنوا .
وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ
عطف على الوالدين . واليتامى جمع يتيم
شرح
معنى« أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ »أخذنا منهم ما يقع به وثاقة عهدنا إليهم ، والقسم من أقوى ما تقع به الوثاقة والأحكام ، فكأنه قيل : حلفناهم لا تعبدون ، وجواب القسم يكون مرفوعا نحو :
حلفت لا يخرج زيد ، وأقسمت لا يجيء عمرو . قوله : ( وقرأ نافع الخ ) يعني أن الشيوخ الخمسة من الشيوخ الثمانية الذين هم أصحاب القراءات المتواترة قرأوا « لا تعبدون » بتاء الخطاب مع أن بني إسرائيل ذكروا ههنا بهذا الاسم الظاهر ، والمذكور بالاسم الظاهر مذكور بطريق الغيبة ، فكان الظاهر أن يقرأ « لا يعبدون » بياء الغيبة وهي قراءة ابن كثير وابن عامر والكسائي . ووجه القراءة بتاء الخطاب تقدير القول وحكاية ما خوطبوا به في وقت الخطاب ، ألا ترى أنهم قد قرأوا قوله تعالى :قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ[ آل عمران : 12 ] بالتاء على حكاية حال الخطاب ، وبالياء لكون الفعل مسندا إلى المذكورين بطريق الغيبة ، وكل ما كان مثل هذا تجوز فيه القراءة بالوجهين . وقال أبو البقاء : قراءة الخطاب مبنية على إضمار القول أي قلنا لهم : لا تعبدون إلا اللّه ، وكونه التفاتا أحسن ولعل وجه كونه أحسن أنه يتضمن نكتة لا توجد في إضمار القول . ثم إنه تعالى عقب تكليفهم بتخصيص العبادة به تعالى بالتكليف بالإحسان إلى الوالدين ، لأن نعمة اللّه تعالى على العبد أعظم النعم فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره . ثم إن أعظم النعم بعد نعمة اللّه تعالى هي نعمة الوالدين عليه لأن الوالدين هما الأصل في وجود الولد ومنعمان عليه بالتربية والشفقة من غير امتنان ولا طلب عوض على إحسانهما إلى الولد ولا يقطعان إحسانهما بإساءة الولد ، والنعم كلها وإن كانت فائضة من خزانة لطف اللّه تعالى ورحمته إلا أن الوالدين أعظم الوسائط والأسباب الظاهرة . ويعلم من ترتيب التكليف بالإحسان إليهما على مجرد كونهما والدين من غير تقييد بكونهما مؤمنين أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين ، لما ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعلية الوصف له وعلية وجوب التعظيم متحققة في الكافرين ، فيجب تعظيمهما والإحسان إليهما بأن لا يؤذيهما البتة ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه ويدعوهما إلى الإيمان كافرين ويأمرهما بالمعروف فاسقين ويسلك سبيل الرفق والتعظيم في نصحهما .
قوله تعالى : ( وذي القربى وما بعده عطف على الوالدين ) أي وتحسنون إلى القريب ، وهو واحد بمعنى الجمع لا إنه اسم جنس ، والمراد القرابة في الرحم فيتناول جميع ذوي