وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 82 ) جرت عادته سبحانه وتعالى على أن يشفع وعده بوعيد ليرجى رحمته ويخشى عذابه ، وعطف العمل على الإيمان يدل على خروجه عن مسماه .
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
إخبار في معنى النهي كقوله :
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ
[ البقرة : 282 ] وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهيّ سارع إلى الانتهاء فهو يخبر عنه . ويعضده قراءة « لا تعبدوا » وعطف
شرح
لبث فيها لبثا مديدا يصح أن يقال له إنه من أصحاب النار . ويحتمل أن يكون المراد بالآية التي قبلها قوله تعالى :بَلىفإن صاحب الكشاف فسره على وجه يدل على كون المس مؤبدا حيث قال : « بلى » إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله :لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُأي بلى تمسكم أبدا بدليل قوله :هُمْ فِيها خالِدُونَوفسره المصنف بقوله : « بلى إثبات لما نفوه من مساس النار لهم زمانا مديدا ودهرا طويلا على وجه « أعم » من أن يكون المس الواقع في الزمان المديد مؤبدا أو لا ، كأنه قيل : بلى تمسكم زمانا مديدا أعم من أن يكون ذلك الزمان مؤبدا أو لم يكن .
قوله تعالى :( وَإِذْ أَخَذْنا )أي واذكروا ما حدث وقت أخذنا ميثاقكم . ومعنى أخذنا ميثاقهم أنّا كلفناهم هذه التكاليف الثمانية وأمرناهم بها وأكدنا الأمر فقبلوه وأقروا بلزومها ووجوبها عليهم . قوله : ( إخبار في معنى النهي ) ذكر لقراءة « لا تعبدون » بالنون التي هي علامة الرفع وجوها ثلاثة : الأول ما ذهب إليه الفراء من أن « لا تعبدون » معناه النهي إلا أنه جاء على لفظ الخبر لكونه أبلغ من صريح النهي ، من حيث إن صورة الخبر توهم أن المكلف وقع منه المسارعة إلى الانتهاء عن المنهي عنه ، فهو أي الناهي يخبر عن انتهائه ونظيره في القرآنلا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهاعلى قراءة من رفع الفعل ، وفي الخبر « لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها » . ويعضد كونه بمعنى النهي قراءة « لا تعبدوا » على النهي فإن الأصل توافق القراءات في المعنى ، ويعضده أيضا عطف« قُولُوا »على« لا تَعْبُدُونَ »فلو لم يكن بمعنى النهي لزم اختلاف الجملتين خبرا وإنشاء لفظا ومعنى وهو غير جائز بل لا بد من اتفاقهما لفظا ومعنى ، أو معنى فقط وإن اختلفا لفظا كما في هذه الآية ، على تقدير أن يكون الخبر بمعنى النهي . وجاز عطف قوله :وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً[ البقرة : 83 ] علىلا تَعْبُدُونَسواء قيل : تقديره وتحسنون بالوالدين إحسانا أو قيل : تقديره وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، أما على الأول فلاتفاق الجملتين خبرا لفظا وإنشاء معنى ، وأما على الثاني فلاتفاقهما معنى فقط على طريق عطف قوله : « وقولوا » عليه كذلك فيكون على إرادة القول أي على تقدير أن يكونلا تَعْبُدُونَإخبارا بمعنى النهي ، لا بد من تقدير القول وجعله مقولا لقول