وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
أي استولت عليه وشملت جملة أحواله حتى صار كالمحاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه . وهذا إنما يصح في شأن الكافر لأن غيره وإن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط الخطيئة به ، ولذلك فسرها السلف بالكفر . وتحقيق ذلك أن من أذنب ذنبا ولم يقلع عنه استجرّه إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه حتى تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه ، فيصير بطبعه مائلا إلى المعاصي مستحسنا إياها معتقدا أن لا لذة سواها مبغضا لمن يمنعه عنها مكذّبا لمن ينصحه فيها كما قال اللّه تعالى :
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ
[ الروم : 10 ] وقرأ نافع خطيئاته وقرىء خطيّته ، وخطيّاته على القلب والادغام فيهما .
فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ
ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمون أسبابها في الدنيا .
هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 81 ) دائمون أو لابثون لبثا طويلا . والآية كما ترى لا حجّة فيها على خلود صاحب الكبيرة وكذا التي قبلها .
شرح
كسب سيئة وأحاطت به سيئته التي كسبها فإن مطلق السيئة لا يوجب خلود من كسبها في النار بل الذي يؤدي إلى خلود فاعلها في النار هي السيئة المحيطة به . والمراد بإحاطة السيئة إياه عند أهل السنة شمول الخطيئة جميع جوانبه من لسانه وقلبه وجوارحه بحيث لا يصدر عن شيء منها سوى الخطيئة ، وكونها مستولية أي غالبة عليه بحيث لا يقدر على أن يتخلص منها بالتوبة لغلبة نفسه الأمّارة عليه فيموت مصرا عليها ، والعياذ باللّه تعالى ، وهذا لا يكون إلا في الكافر . فعلى هذا التوجيه لا تكون الآية حجة للمعتزلة والخوارج فيما زعموه من تخليد أصحاب الكبائر في النار فإنهم قطعوا بخلود من لم يتب منهم في النار استدلالا بظاهر العمومات الواردة في القرآن والحديث ، منها هذه الآية وهو قوله تعالى :مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَفإن السيئة اسم للعمل السئ والخطيئة اسم للذنب . وكلمة « من » في معرض الشرط تفيد العموم كما ثبت في أصول الفقه فكل من أتى بهما مؤمنا كان أو كافرا يجب أن يكون من أهل العقاب المخلد على زعمهم .
قوله : ( دائمون ) على تقدير أن يكون المراد بالخطيئة الكفر كما اختاره المصنف .
وقوله : « أو لابثون لبثا طويلا » على تقدير أن يكون المراد بها الكبيرة ، ويكون معنى إحاطة الكبيرة به أن يموت مصرا عليها من غير توبة فإنها تحيط به من أول عمره إلى آخره . وقد مرّ أن الخلد والخلود في الأصل الثبات المديد دام أو لم يدم ، والتعيين يستفاد من القرينة .
قوله : ( والآية ) أراد بها قوله :هُمْ فِيها خالِدُونَوبالآية التي قبلها قوله :فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِفإن كونهم أصحاب النار بمعنى ملازميها لا يستلزم الخلود بمعنى الدوام ، فإن من