أعم ليكون كالبرهان على بطلان قولهم ، وتختص بجواب النفي
مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً
قبيحة والفرق بينها وبين الخطيئة أنها قد تقال فيما يقصد بالذات والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ . والكسب استجلاب النفع وتعليقه بالسيئة على طريقة قوله :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ آل عمران : 21 ] وآيات أخرى .
شرح
يكون جوابا للكلام الذي فيه الجحد بخلاف « نعم » فإنها مقررة أي مثبتة لما سبقها مطلقا سواء كان ما سبق عليها كلاما خبريا موجبا أو منفيا . فإذا قيل : « نعم » في جواب من قال :
قام زيد كان المعنى نعم إنه قام ، ولو قيل ذلك في جواب من قال : ما قام زيد كان المعنى نعم إنه ما قام ، أو كلاما استفهاميا فإنها تقرر ما بعد حرف الاستفهام مثبتا كان نحو « نعم » في جواب من قال : أقام زيد أي نعم إنه قام ، أو منفيا نحو « نعم » في جواب من قال : ألم يقم زيد أي نعم لم يقم زيد . ومن ثم قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لو قالوا في جواب :أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ« نعم » لكان كفرا لإفادتها تقرير نفي الربوبية عنه تعالى . جعل المصنف مساس النار لهم زمانا مديدا منفيا بقولهم :لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةًمع أن مدلوله تخصيص المس بالزمان القليل لما تقرر من أن الاستثناء هو التكلم بما بقي بعد الثنيا وما بقي بعد الأيام القليلة هو الزمان المديد . فكأنهم قالوا : لن تمسنا النار زمانا مديدا . فقوله تعالى :بَلىإثبات لهذا النفي على وجه أعم من أن يكون هذا المس الواقع في الزمان المديد مؤبدا أولا ، كأنه قيل : بلى تمسكم زمانا مديدا . وكون المس مؤبدا لا يفهم من « بلى » لأن مدلولها ليس إلا نقض النفي المتقدم ، والمنفي هو المس المديد لا المس المؤبد ، فقوله :
« على وجه أعم » متعلق بقوله : « إثبات » لا بقوله : « لما نفوه » وهو رد لقول صاحب الكشاف :
بلى تمسكم أبدا . وإثبات نقيض مدعي الخصم كالبرهان القائم على بطلان مدعاه .
قوله : ( قبيحة ) يعني أن السيئة عبارة عن الفعل القبح ولاعتبار القبح في مفهومها قوبلت بالحسنة في عامة ما جاءت في القرآن نحومَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ[ الأنعام : 160 ] وقوله :وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ[ الأعراف : 168 ] وقوله :وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ[ فصلت : 34 ] وأجمع أهل التفسير على أن المراد بالسيئة ههنا الشرك ، والفرق بينها وبين الخطيئة أن السيئة قد تقال فيما يقصده الإنسان لأجل نفسه والخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يقصد لنفسه بل يقصد إلى سببه المؤدي إلى المحظور ، كمن يرمي صيدا فأصاب سهمه إنسانا أو شرب مسكرا فجنى على إنسان في سكره . وقوله في جانب السيئة : « أنها قد تقال » وفي جانب الخطيئة « أنها تغلب » بلفظ « قد » وتغلب يشعر أن كل واحد منهما يستعمل في معنى الآخر . فالفرق المذكور لا ينافي إطلاق الخطيئة على السيئة في قوله تعالى :وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُفإن المراد بها السيئة المتقدمة ، فإن المعنى من