تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ
المسّ إيصال الشيء بالبشرة بحيث تتأثر الحاسة به واللمس كالطلب له ، ولذلك يقال ألمسه فلا أجده .
إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً
محصورة قليلة . روي أن بعضهم قالوا : نعذب بعدد أيام عبادة العجل أربعين يوما . وبعضهم قالوا : مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذّب مكان كل ألف سنة يوما .
قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً
خبرا ووعدا بما تزعمون وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال ، والباقون بإدغامه .
شرح
قوله تعالى :( وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً )من جملة قبائحهم قطعا لطمع الإيمان منهم ، فإن الجزم بأنه تعالى لا يعذبهم إلا أياما قليلة لا سبيل إليه بالعقل ولا بالسمع فلا يجوز الجزم بذلك ، فتبين به أنه ما هم إلا قوم يظنون لا يتبعون سوى الظن . قوله : ( ولذلك يقال ألمسه فلا أجده ) أي ولأجل تحقق الفرق المذكور بينهما بحيث يكون اللمس كالطلب للمس قد ينفك الثاني عن الأول كما ينفك الشيء عن نفسه . قوله :( إِلَّا أَيَّاماً )استثناء مفرغ وأياما منصوب على أنه ظرف للفعل المذكور قبله والتقدير : لن تمسنا النار أبدا إلا أياما قلائل ، فإن المعدودة إذا أطلقت يراد بها القليلة قال اللّه تعالى :دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ[ يوسف : 20 ] كناية عن قلة الدراهم . قوله : ( أربعين يوما ) وهي مدة غيبة موسى عليه الصلاة والسّلام عنهم . حكى الأصمعي عن بعض اليهود أنهم عبدوا العجل سبعة أيام . قوله : ( أتخذتم ) الهمزة فيه للاستفهام ومعناه الإنكار والتقريع حذفت همزة الافتعال استغناء عنها بهمزة الاستفهام ، ونظيرها قوله تعالى :أَفْتَرى[ سبأ : 8 ] وأَصْطَفَى الْبَناتِ[ الصافات : 153 ] أي قل لهم يا محمد : هل اتخذتم بما تقولون وتزعمون خبر ووعد أعند اللّه أي في كتابه وحكمه . فسر العهد بالخبر والوعد إشارة إلى أن المراد بالعهد ليس معناه الحقيقي وهو ما جرى بين اثنين من القول المقرر بالأحكام بالإيمان والنذور ، ويقال له : « الموثق » لأن ذلك مما لا يتوهم وقوعه من اللّه تعالى بل المراد به المعنى المجازي . والمناسب بهذا المقام إما الخبر أو الوعد سمّي خبره تعالى عهدا لأن خبره أوكد من العهود الموكدة الواقعة هنا بالقسم والنذر ، فالعهد من اللّه تعالى لا يكون إلا بهذا الوجه . والفرق بين الخبر والوعد أن الخبر هو الإعلام بأنه تعالى لا يعذبهم إلا في أيام معدودة ، والوعد قريب منه إلا أنه يختص بأن يلتزم أن يفعل فيما يستقبل من الزمان ما يفرح به المخاطب من دفع المكروه عنه والإحسان إليه ، كالالتزام أن لا يعذب إلا قليلا وأن يتفضل عليه بما يسر به . وفعل الاتخاذ والأخذ سواء أسند إلى ضمير الجمع نحو : اتخذتم وأخذتم ، أو إلى ضمير المفرد نحولَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي[ الشعراء : 29 ] ولَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً[ الكهف : 77 ] يقرأه ابن كثير وحفص بإظهار الذال والباقون بإدغامها في التاء .