تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
وهو لا يناسب وصفهم بأنهم أميون .
وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
( 78 ) ما هم إلّا قوم يظنون لا علم لهم . وقد يطلق الظن بإزاء العلم على كل رأي واعتقاد من غير قاطع وإن جزم به صاحبه ، كاعتقاد المقلد والزائغ عن الحقّ لشبهة .
شرح
فإن المواعيد التي سمعوها من رؤسائهم أمور رغبوا فيها وتمنوها على اللّه تعالى ثم نقل بقوله : « وقيل » ما كان مبنيا على الاطلاق الثالث وضعفه لعدم كونه مناسبا لوصفهم بأنهم أميون ، فإن الأمي وهو من لا يعرف الكتابة ولا يقدر على أن يقرأ من الكتاب كيف يناسب أن يسند إليه القراءة . قوله : ( ما هم إلا قوم يظنون لا علم لهم ) إشارة إلى أن كلمة « إن » نافية بمعنى « ما » كما في قوله تعالى :إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ[ الملك : 20 ] أي ما الكافرون ، وإلى أن المقصود من حصر حالهم في الظن تأكيد نفي العلم عنهم . ويقرب منه قوله تعالى :ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ[ النساء : 157 ] وصف اللّه تعالى المحرفين بأنهم يعلمون ما هو المنزل حقيقة وأنهم مفترون مبطلون في تحريفهم تحقيقا لعنادهم المانع من قبوله واتباعه ، ووصف الأميين الجهلة السفلة بأنهم لا يعلمون نفس ما أنزل عليهم من الكتاب وما فيه من الهدى والبيان وأن شأنهم ليس إلا أن يروا ويعتقدوا ما سمعوه من رؤسائهم المعاندين بناء على حسن الظن بهم تحقيقا لتماديهم في التقاعد عن طلب الحق وتحصيل اليقين . فظهر بهذا التقرير أن قوله تعالى :وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْمع ما عطف عليه وهو قوله :وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَالخ حال مقررة لجهة الإشكال أي لوجه الإنكار على طمع إيمان اليهود من حيث إنه تعالى قسمهم إلى فرقتين : العلماء المعاندون والأميون المقلدون ، وإن كل واحدة منهما لا ترعوي عن ضلالها القديم فطمع الإيمان منهم مستبعد كل البعد . ولما كان الظن في المشهور عبارة عن الحكم بالطرف الراجح من طرفي النسبة فلا يكون لصاحبه جزم بشيء من طرفيها البتة ، ورد أن يقال : إن الأميين الذين ذمهم اللّه تعالى بنفي العلم عنهم بأن قال في حقهم : ليس لهم إلا الظن المحض لا شك أن بعضهم مقلدون لمن حسن ظنهم فيهم وبعضهم زائغون عن الحق معتقدون اعتقادا غير مطابق للواقع اتباعا للشبهة ، وكل واحد منهما معتقد جازم فكيف يصح أن يقال في حقه ليس له إلا الظن ؟ فأجاب عنه بقوله : « وقد يطلق الظن » الخ . قوله : ( بإزاء العلم ) في موضع النصب على أنه حال من الظن . والعلم هو الحكم الجازم الثابت المطابق للواقع لابتنائه على الدليل القاطع . وما ليس كذلك من الحكم قد يطلق عليه الظن كما يطلق على الحكم الغير الجازم .