تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
ولذلك يطلق على الكذب وعلى ما يتمنى وما يقرأ . والمعنى ولكن يعتقدون أكاذيب أخذوها تقليدا من المحرفين أو مواعيد فارغة سمعوها منهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا وأنّ النار لن تمسهم إلّا إياما معدودة . وقيل : إلا ما يقرؤون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره من قوله :
تمنّى كتاب اللّه أوّل ليله * تمنّي داود الزبور على رسل
شرح
أي ما يقدر لك المقدر . قوله : ( ولذلك يطلق على الكذب وعلى ما يتمنى وما يقرأ ) أي ولأجل أن الأمنية في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه يطلق تارة على الكذب إذا الكاذب يقدر ما يفتريه ثم يتكلم به ، وتارة على ما يتمنى لأن المتمني يقدر في نفسه ما يتمناه ، وتارة يطلق على ما يقرأ لأن القارئ يقدر ترتيب أجزاء الكلام ويقول في نفسه ، إن كلمة كذا بعد كذا . قال الفراء : الأماني الأحاديث المفتعلة كأنه يقول اللّه تعالى لا يعلمون الكتاب ولكن أحاديث مفتعلة ليست من كتاب اللّه تعالى يسمعونها من كبرائهم وهي كلها أكاذيب ، مثل قولهم :لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً[ البقرة : 80 ] وقولهم :لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى[ البقرة : 111 ] وقولهم :نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ[ المائدة : 18 ] قال أعرابي لمن حدث بشيء : أهذا شيء أوتيته أم تمنيته ؟ أي اختلقته ، ويقال : فلان يتمنى الأحاديث أي يفتعلها . وهو مقلوب من المين وهو الكذب . وتطلق الأمنية على ما يقرأ يقال : تمنيت الكتاب أي قرأته . قال تعالى :وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ[ الحج : 52 ] أي إلا إذا قرأ ألقى الشيطان في قراءته . وقال حسان بن ثابت رضي اللّه عنه في وصف عثمان رضي اللّه عنه حين جرى عليه ما جرى :( تمنّى كتاب اللّه أول ليله * تمنّي داود الزبور على رسل )أي على تؤدة وسكون . وذكر بعضهم أن تمام البيت أي مصراعه الأخير « وآخره لاقى حمام المقادر » أي موت التقدير . وفي الحواشي السعدية : قوله : « ليله » ينبغي أن يكون بإضافة « ليل » إلى هاء الضمير لا بتاء الوحدة كما في بعض النسخ ، يعرف ذلك بالتأمل . ويؤيده أن ابن الأنباري روى المصراع الأخير هكذا « وآخره لاقى حمام المقادر » حيث لم يرو « وآخرها » بتأنيث الضمير ، ولو كان أول ليلة بتاء الوحدة لكان ينبغي أن يقال : « وآخرها » والمقادر كان أصله المقادير ، وقوله والمعنى ولكن يعتقدون أكاذيب الظاهر أن اللام من قبيل اللف والنشر المرتب . ذكر أولا أن لفظ الأمنية يطلق على ثلاثة معان ، ثم ذكر أن المراد به ههنا إما المعنى الأول أو الثاني فقوله : « أو مواعيد فارغة » ناظر إلى قوله : « وعلى ما يتمنى »