تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
وتنفعل فإن منها ما يتشقق فينبع منه الماء ويتفجر منه الأنهار ، ومنها ما يتردّى من أعلى الجبال انقيادا لما أراد اللّه تعالى به ، وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمره . والتفجر التفتح بسعة وكثرة . والخشية مجاز عن الانقياد . وقرىء إن على أنها المخففة من الثقيلة
شرح
فإن منها ما يخرج منه الأنهار ومنها ما ينبع منه الماء فيكون عينا لا نهرا فإنها تتشقق تارة فيخرج منها الأنهار العظام والمياه الكثيرة وتارة تتشقق فيخرج منها ماء قليل بالنسبة إلى مياه الأنهار كما العيون ، ومنها ما ينزل ويسقط من أعلى الجبل إلى أسفله انقيادا لما أراد اللّه تعالى . وقلوب هؤلاء اليهود أشد قسوة وصلابة منها حيث لا تلين ولا تتأثر من أمر اللّه تعالى مع تحقق العقل والفهم والتمييز فيهم . وهو معنى ما قيل : وإن قلوبهم تأبى عن الانقياد واللائق باستعدادهم الخاص أن يكونوا بخلاف الحجارة فإنها لا تمتنع عن الانقياد اللائق باستعدادها الخاص فلا يرد ما يقال انقياد الحجارة لما أريد منها قسرا من غير اختيار منها لا يدل على كون القلوب أقسى ، إذ لا فرق بين القلوب والحجارة في الانقياد القسري فلا يتم التعليل على تقدير أن تحمل الخشية على المعنى المجازي الذي هو الانقياد بل الأولى أن تحمل على معناها الحقيقي ، ويقال : إن الحجارة تخشى من اللّه تعالى على تقدير أن يخلق فيها الحياة والعقل بخلاف هؤلاء فإنهم لا يخشون مع كونهم من الإحياء العقلاء فتكون قلوبهم أشد قسوة . قوله : ( والخشية مجاز عن الانقياد ) جواب عما يقال : الهبوط من خشية اللّه صفة للأحياء والعقلاء والحجر جماد لا حياة له فضلا عن العقل فلا يوصف بالخشية . وتقرير الجواب أن الخشية مجاز عن الانقياد على طريق إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم ، فإن الخشية ملزوم للانقياد فأطلقت وأريد بها لازمها الذي هو الانقياد مجازا مرسلا . فالظاهر على هذا أن يكون قوله :مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِمتعلقا بجميع ما ذكر من الأفعال ، وهي تشقق بعض الحجارة تشققا مؤيدا إلى تفجر الأنهار وتشقق بعضها لخروج الماء وهبوط بعضها فإن كل ذلك من خشية اللّه تعالى بمعنى الانقياد لما أراد اللّه منها . وكلمة« مِنْ »في قوله :مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِللتعليل بمعنى لام الأجل . والفجر الفتح بالسعة والكثرة ، والتفجر التفتح يقال : انفجرت قرحة فلان أي انشقت بالمدة وهي بكسر الميم وتشديد الذال ما يجتمع في الجرح من القيح . والأنهار جمع نهر وهو المجرى الواسع من مجاري الماء أريد به الماء الكثير مجازا على طريق ذكر المحل وإرادة الحال . وكذا التفجر مجاز عن السيلان على طريق ذكر السبب وإرادة المسبب . قوله : ( وقرىء إن ) بسكون النون على أنها مخففة من الثقيلة في المواضع الثلاثة : وهي قوله :وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِوَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُوَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُفاللام هي الفارقة بينها وبين « إن » النافية وعلى هذه القراءة يحتمل أن تكون كلمة « ما » في محل الرفع على إلغاء