أشدّ من المبالغة والدلالة على اشتداد الفسوتين واشتمال المفضل على زيادة وأو للتخيير ، أو للترديد بمعنى أن من عرف حالها شبّهها بالحجارة أو بما هو أقسى منها .
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
تعليل للتفضيل . والمعنى أن الحجارة تتأثر
شرح
منها في شدة القساوة . ولا شك أن هذا المعنى أبلغ في توصيف القلوب بالقسوة من أن يقال : إنها أزيد من الحجارة في نفس القسوة كما هو المعنى على تقدير أن يكون « أشد » للتوصل إلى بناء أفعل التفضيل من « قسا » « يقسو » فإنك إذا قلت : زيد أشد إكراما من عمر وكان المعنى أنهما مشتركان في الإكرام وأن أحدهما أزيد من الآخر فيه لا أنهما مشتركان في شدة الإكرام وأحدهما أزيد من الآخر . قوله : ( وأو للتخيير أو للترديد ) لما كانت « أو » مستعملة في شك المتكلم وتردده غالبا كما في قوله تعالى :قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ[ الكهف : 19 ] وهذا المعنى لا يصح في شأن علام الغيوب ، أشار إلى أن الشك ليس معنى أصليا لها بل هي في الأصل لأحد الشيئين مطلقا سواء كان استعماله في أحدهما مبنيا على شك المتكلم في تعين أحدهما أو كان مقصوده من استعمالها في أحدهما إبهام الأمر على المخاطب وتشكيكه فيه أو تخييره فيهما ببيان أنه مصيب في إتيان كل واحد منهما ، أو الترديد في الأمر وبيان أنه لا يخلو عن أحدهما . وليس شيء من هذه المعاني داخلا في مفهوم كلمة « أو » بل كل ذلك يستفاد من مواقعها ، والمعنى المناسب لهذا الموقع التخيير أو الترديد بالنسبة إلى من عرف حال قلوبهم . والمعنى على الأول أن من عرف حالها مخير في أن يشبه القلوب القاسية بأيهما شاء فله أن يشبهها بأحدهما أي واحد كان لا أن يشبهها بهما جميعا ، وعلى الثاني أنه لا يشبهها إلا بأحدهما . وهذا المعنى على تقدير أن يكون معنى الآية فهي مثل الحجارة أو مثل ما هو أشد منها بتقدير المضاف في المعطوف ، وأما إذا لم يحمل على تقدير المضاف فحينئذ يكون المعنى على التخيير أي من عرف حالها شبهها بالحجارة أو قال : هي أقسى من الحجارة .
قوله : ( تعليل للتفضيل ) أي لكون قلوبهم أقسى وأزيد قسوة من قسوة الحجارة ، واللام في قوله تعالى :لَما يَتَفَجَّرُلام الابتداء دخلت على الاسم لئلا يتوالى حرفا تأكيد و « ما » في قوله تعالى :لَما يَتَفَجَّرُبمعنى « الذي » في محل النصب على أنه اسم « إن » وضمير « منه » يرجع إليه حملا على اللفظ وإن كان عبارة عن الحجارة . قوله : ( والمعنى ) أي معنى الآية ووجه كونها تعليلا وبيانا لكون قلوب اليهود أقسى من الحجارة ، أن الحجارة مع صلابتها وغلظها وشدة أمرها فيهما وانعدام أسباب الإدراك من العقل والفهم فيها تتأثر وتنفعل من تسخير اللّه تعالى إياها ومما يحدثه فيها بإرادته ولا تأبى عن قبول شيء من ذلك .