تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ
القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة كما في الحجر ، وقساوة القلب مثل في نبوّه عن الاعتبار . وثم لاستبعاد القسوة
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
يعني إحياء القتيل
شرح
مرشدا لغيره فيعرب لهم عما اشتبه عليهم من حقيقة الحال . فقوله : « وتعرب عما به ينكشف الحال مستفاد » من قوله تعالى :وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ[ البقرة : 72 ] . قوله : ( القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة ) الغلظة خلاف الرقة ، والصلابة خلاف اللين ، والقساوة عبارة عن مجموع الوصفين كاجتماعهما في الحجر فإنه غليظ لا رقة فيه وصلب حيث لا ينقطع ولا يتأثر من شيء لخلوه عن اللين ، وقبول الأثر والشدة والصلابة تستلزمان الغلظة . فلذلك اعتبرت في مفهوم القساوة . وقسوة الشيء في الحقيقة عبارة عن ذهاب اللين والرحمة والخشوع عنه ويلزمه ذهاب الرقة عنه ، ومن شأن القلب أن يتأثر ويلين عند اطلاعه على الدلائل ومشاهدة الآيات والعبر وسماع المواعظ والزواجر ، ويترك التمرد والعتو والاستكبار ويظهر الطاعة والخضوع والخوف من اللّه عز وجل . فإذا عرض له ما يخرجه عن التأثر صار قاسيا شبيها بالحجر في نبوّه عن الاعتبار وعدم تأثير المواعظ فيه . قوله : ( وقساوة القلب مثل في نبوّه عن الاعتبار ) إشارة إلى أن لفظ « قست » استعارة تبعية تمثيلية شبهت حال قلوبهم وهي نبوّها عن الاعتبار والاتعاظ وعدم التأثر من الآيات والدلائل الموجبة لقبول الحق بحال الحجارة وهي القسوة والصلابة والامتناع عن التأثر مؤثر خارجي . ثم لما كانت القساوة هي العمدة في الهيئة المشبه بها اقتصر على لفظ القساوة وأطلق على الحالة المشبهة واشتق منه لفظ « قست » . قوله : ( وثم لاستبعاد القسوة ) أي لاستبعادها ممن شاهد من الآيات والدلائل ما يقتضي لين القلوب وانقيادها للحق ، كإحياء القتيل بضرب عضو من أعضاء البقرة المذبوحة وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها من حين ما خرجوا من مصر ليلا مع موسى عليه السّلام فصبحهم فرعون وجنوده وصادفهم على شاطىء البحر ، فإنها مما يوجب لين القلب ومع ذلك لم يخلوا عن عناد واعتراض على موسى عليه السّلام في التيه وغير ذلك . ولا شك أن قسوة القلب بعد مشاهدة ما يوجب لينه وتأثره بقبول الحق مستبعد من العاقل كل البعد . فكلمة « ثم » ههنا مستعملة في استبعاد الوقوع مجازا مرسلا لتعذر حملها على معناها الحقيقي وهو تراخي المعطوف بها عن المعطوف عليه نراخيا زمانيا وقسوة قلوبهم لم تتراخ زمانا عن مشاهدة الآيات المذكورة بل إنها لم تزل قاسية مع رؤية الآيات وبعدها ، ولما تعذر حملها على معناها الحقيقي حملت على التراخي الرتبي مجازفا فإن مطلق الاستبعاد لازم للبعد الزماني فاستعمل ما هو موضوع للتراخي الزماني في استبعاد الوقوع على طريق إطلاق الملزوم وإرادة اللازم . والمعنى يستبعد من العاقل النبو عن الفكر والاعتبار بعد حصول ما يوجبه من الآيات فهو كقولك لصاحبك : وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها .