معجبة رائعة المنظر غير مذلّلة في طلب الدنيا مسلّمة عن دنسها لا سمة بها من مقابحها بحيث يصل أثره إلى نفسه فتحيى حياة طيبة وتعرب عما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارؤ والنزاع .
شرح
كبكر ولم يلحقه ضعف الكبر فيكون كفارض ، وأن يتحرى في ذبحها حال كونها معجبة رائعة المنظر بالنسبة إليه ولا يمنعه من ذبحها وكسر هواها الذي هو بمنزلة الروح بالنسبة إليها من حيث إنها إنما تحيى به كونها رائعة المنظر عنده ، بل يجب عليه أن يميتها ولو كانت أعجب ما يكون وألذه عنده كما يدل عليه قوله تعالى :إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ[ البقرة : 69 ] وأن يتحرى فيه وقت كونها غير مذللة بطلب الدنيا والسعي في تحصيلها ورقية حبها فإن حبها وصرف الأوقات إلى تحصيلها آفة مانعة عن الاشتغال بالعبادات . فينبغي للعاقل أن يذلل نفسه للعبادة والعمل لما بعد الموت قبل أن يستعبدها الهوى ويغلب عليها لأن إزالة الآفة بعد استحكامها في غاية الإشكال ، وأشير إليه بقوله تعالى :إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ[ البقرة : 71 ] . قوله : ( مسلمة عن دنسها ) أي عما يدنسها من مخالفة الشرع والعقل واتباع الشهوات لا سمة بها من مقابحها كالاعتقاد الفاسد والمذهب الباطل والخلق السئ . قال بعض أهل المعرفة : قوله تعالى :لا شِيَةَ فِيها[ البقرة : 71 ] تنبيه على أن أمدح الأحوال للعبد أن يكون في معاملته مع اللّه تعالى على لون واحد لا يتطرق إليه هموم الدنيا ولا يطرأ عليه اتباع الهوى . وقد سمع بعض الفقراء قائلا يقول : كل يوم تتلون وكان غير ذلك بك أحسن ، فوقف يستمع إليه ويشهق وهو يقول : هذه حالتي مع اللّه تعالى . فلم يزل هكذا حتى شهق شهقة كان حتفه فيها . وقيل : جعل اللّه تعالى إحياء المقتول في ذبح البقرة تنبيها لعبيده أن من أراد منهم إحياء قلبه لم يتأت له ذلك إلا بإماتة نفسه ، فمن أماتها بأنواع الرياضات أحيى اللّه تعالى قلبه بأنوار المشاهدات ، وهذه المعاني ليست مما يفصح بها ظاهر الآية لكنها مما يلاحظها القارئ وينتقل ذهنه إليها عند تأمله ظاهر معنى الآية ، فيشبه النفس الحيوانية والقوة الشهوية بالبقرة ، ويشبه كسر شهوتها وقمع هواها اللذين بهما حياتها بذبحها بسكين الرياضة ، وكذا ينتقل من سائر الأمور المذكورة في الآية إلى معنى يناسبها . قوله : ( بحيث يصل أثره إلى نفسه ) متعلق بقوله : « فطريقه أن يذبح بقرة نفسه » الخ على أن تكون الإضافة في قوله : « بقرة نفسه » لامية لا بيانية وأن يراد بنفسه ذاته وحقيقته ، وببقرتها القوة الشهوية وبذبحها كسر شهوتها ومقتضياتها بحيث يصل أثر ذلك الذبح والكسر إلى ذات العبد وحقيقته فتحيى حياة طيبة وتطلع على حقيقة الحال بأن تستضيء بأنوار المشاهدات والتجليات بعدما كانت هائمة في أودية الضلال هالكة هلاكا معنويا . وحينئذ يتميز عنده ما يسعده مما يشقيه ويهلكه فيصير راشدا مهديا في نفسه وهاديا