تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
من أراد أن يعرف أعدى عدوّه السّاعي في إماتته الموت الحقيقي فطريقه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوة الشهوية حين زال عنها شرة الصبي ولم يلحقها ضعف الكبر ، وكانت
شرح
الملك : اذهب إلى أمك وقل لها : امسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران عليه السّلام يشتريها منكم لقتيل يقتل من بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملىء مسكها دنانير . فأمسكوها إلى أن أمر اللّه تعالى بني إسرائيل بذبح البقرة الموصوفة ولم يجدوا بقرة موصوفة بتلك الصفات غيرها فاشتروها بملىء مسكها دنانير . ومن فوائده التنبيه على بركة التوكل وحسن عاقبته كما مرّ من أن الشيخ الصالح توكل على اللّه تعالى في حفظ عجلته وإيصالها إلى ابنه . ومنها التنبيه على بركة الشفقة على الأولاد كما فعله الشيخ الصالح حيث اجتهد في تحصيل مصالح ابنه وكفاية مهماته بحسن التدبر المرضي عند اللّه تعالى . ومنها التنبيه على أن من حق الطالب لمقصوده من جنابه تعالى أن يطلبه بتقديم قربة يتقرب بها إليه تعالى من صدقة وإحسان إلى عباده المحتاجين اعتقادا بأن اللّه لا يضيع أجر المحسنين بل يثيبهم على إحسانهم بقضاء حوائجهم وكفاية مهماتهم ، وعلى أن من حق المتقرب أن يتحرى أحسن ما يتقرب به إليه ويغالي بثمنه فإنه أدلّ على إخلاص المتقرب وأجلب لمرضاة المتقرب إليه فإن من تقرب إليه تعالى ذراعا يتقرب إليه باعا ويزيد من فضله ما شاء . والنجيبة الناقة الكريمة ومنها التنبيه على أن المؤثر في الممكنات هو اللّه تعالى وأن الأسباب الظاهرة أمارات لا أثر لها حيث أحيى القتيل بضرب موات لا يتوهم منه التأثير بوجه من الوجوه ، فإن تولد الحياة من مس الميت بالميت وضربه به غير معقول ولا متوهم . ومنها التنبيه على أن من أراد أن يعرف أعدى عدوه الذي تسعى في إماتته الموت الحقيقي وهو موت القلب بأن يزول عنه ما به حياته من الإيمان والاعتقاد بما هو الحق في كل باب ويقهره ويأمن من ضرر عداوته ، فعليه أن يذبح نفسه الحيوانية بأن يقمع هواها الذي هو روحها التي تحيى بها بسكين الرياضة حين ما زال عنه شرة الصبي أي غلبة الحرص على اتباع الشهوات . فإن الصبيان والفتيان لغلبة القوى الطبيعية عليهم وشدتها يقصر استعدادهم عما يراد منهم من المواظبة على الطاعة والمجانبة عن الانهماك في استيفاء اللذات الجسمانية ، ويعسر عليهم تحمل الرياضة ومخالفة الهوى ولم يلحقهم ضعف الكبر والهرم وفتوره الحامل على الكسل عن إقامة وظائف العبادات مع أن من استمر على اتباع مقتضيات النفس والهوى إلى سن الكبر والشيخوخة تستحكم فيه البطالة والاعتياد باتباع العادات ، فيعسر عليه ترك ما اعتاده فيخرج عن حد قابلية العلاج . فظهر أن وقت ذبح بقرة النفس الحيوانية إنما هو وقت كون صاحبها عوانا بين البكر والفارض ، فمن أراد أن يذبح نفسه الحيوانية وقوة شهوته بسكين الرياضة فعليه أن يتحرى في ذلك وقت ما تزول عنه شرة الصبي فلا يكون