أنّ شيخا صالحا منهم كان له عجلة فأتى بها الغيضة وقال : اللهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر فشبّت وكانت وحيدة بتلك الصفات فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملىء مسكها ذهبا ، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير . وكاد من أفعال المقاربة وضع لدنو الخبر حصولا فإذا دخل عليه النفي قيل : معناه الإثبات مطلقا ، وقيل : ماضيا والصحيح أنه
شرح
والمسك بفتح الميم الجلد . قوله : ( حتى يكبر ) بفتح الباء على أنه من باب علم يقال : كبر يكبر إذا أسن ، وأما كبر بالضم فإنه بمعنى عظيم فهو كبير أي عظيم . قوله : ( فشبت ) أي صارت العجلة شابة . قوله : ( وضع لدنو الخبر حصولا ) أي وضع للإخبار بأن اتصاف اسمه بمضمون خبره قريب من أن يحصل ويقع في الحال لوجود سببه ، فإن مجرد وجود السبب لا يستلزم قرب وجود المسبب بخلاف العلة التامة فإن وجودها يستلزم وجود المعلول . قوله :
( فإذا دخل عليه النفي قيل معناه الإثبات مطلقا ) أي سواء كان ماضيا كما في قوله تعالى :وَما كادُوا يَفْعَلُونَفإن معناه قرب أن لا يفعلوه لكنهم قد فعلوه لقوله تعالى :فَذَبَحُوهافكان معناه إثبات الذبح لهم ، أو كان مستقبلا كما في بيت ذي الرمة :إذا غيّر النأي المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حب ميّة يبرحفإن الشعراء جعلوه بمعنى الإثبات على معنى : أن حب مية قرب أن لا يبرح لكنه قد برح وزال ، وهو خلاف مقصود الشاعر ، فخطؤوه لذلك فتوقف ذو الرمة ساعة وغيّر البيت إلى قوله : لم أجد رسيس الهوى من حب مية يبرح . وقال قوم : إن دخل النفي على الماضي يفيد الإثبات كما في الآية المذكورة ، وإن دخل على المستقبل فهو كالأفعال أي يكون المعنى انتفاء مضمون الخبر وانتفاء القرب منه كما في قوله تعالى :إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها[ النور : 40 ] فإنه لو حمل على أنه يراها لفسد المعنى . والصحيح ما ذهب إليه الجمهور وهو أنه كالأفعال في أن المعنى في صورة النفي نفي ، وفي صورة الإثبات إثبات لأنه من جملة الأفعال فلا يخالفها في الاستعمال . وما فهم من معنى النفي في صورة الإثبات فهو بطريق الالتزام إلا أن صورة الإثبات تدل على النفي بالمطابقة لأن الشيء إذا كان قريب الحصول يلزم أن لا يكون حاصلا بالفعل . ومعنى الآية الأولى : وما قاربوا الذبح قبل أن يفعلوه فضلا عن الفعل ، ومعنى الآية الثانية : إذا أخرج يده لم يقارب رؤيتها فضلا عن أن يراها . وهذا أبلغ من نفي نفس الرؤية لأنه إذا انتفت مقاربة الرؤية عند إخراج اليد كانت الرؤية أبعد .
وتغيير ذي الرمة لم يثبت ، ومعنى البيت نفي مقاربة البراح وهو أبلغ من نفي نفس البراح فيكون المعنى : إذا غيّر الهجر المحبين لم يقارب حب مية التغير فضلا عن أن يتغير ويزول ، وهذا أبلغ من نفي نفس التغير . ورس الحمى ورسيسها هو أول مسها ، وفيه لطيفة وهي أنه يشير بذلك إلى أن حبه لا يتغير بمرور الزمان فهو بعد تطاول أيام الهجر باق على ما هو عليه