قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ
أي بحقيقة وصف البقرة حققتها لنا . وقرىء الآن بالمد على الاستفهام ، والآن بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام
فَذَبَحُوها
فيه اختصار . والتقدير فحصّلوا البقرة المنعوتة فذبحوها .
وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
( 71 ) لتطويلهم وكثرة مراجعاتهم أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل ، أو لغلاء ثمنها إذ روي
شرح
أن قوله :مُسَلَّمَةٌإن أريد به أحد المعنيين الأولين فلا تكرار أصلا وإن أريد به المعنى الثالث تكون الفائدة في إيراد قوله :لا شِيَةَ فِيهابيان أن المراد بالوصف الأول أنها ليس فيها لون يغاير سائر لونها وأنها مخلصة من الشية وهي في الأصل مصدر يقال : وشيت الثوب أشيه وشيا إذا خلطت بلونه لونا آخر ، حذف الواو من وشيا اتباعا لمضارعه وحذفت من مضارعه لوقوعها بين ياء وكسرة .
قوله : ( أي بحقيقة وصف البقرة حققتها لنا ) بحيث لم يبق لنا اشتباه فيها . يعني أن الحق ههنا صفة مشبهة بمعنى الثابت ، وأن اللام فيه للاستغراق ، والمعنى أنك الآن جئت بجميع ما ثبت لها من أوصافها المميزة لها عما عداها . وليس المراد بالحق ههنا خلاف الباطل حتى يقال : إنهم كفروا بقولهم هذا من حيث إنه يدل على أنهم اعتقدوا بطلان ما جاء به قبل ذلك . قوله : ( وقرىء الآن بالمد ) أي بمد كل واحد من الألفين على الاستفهام الذي قصد به التقرير والتحقيق . والآن هو الوقت الذي أنت فيه وهو منصوب بجئت وقوله :بِالْحَقِّيحتمل أن تكون الباء فيه للتعدية كأنه قيل : الآن ذكرت الحق . ويحتمل أن تكون للملابسة فيكون الجار مع المجرور في محل النصب على أنه حال من فاعل جئت أي جئت ملتبسا بالحق أو ومعك الحق . قوله : ( والتقدير فحصّلوها فذبحوها ) يعني أن الفاء في قوله :فَذَبَحُوهاهي الفاء الفصيحة لكونها عاطفة لمدخولها على محذوف هو سبب لما بعدها كما في قوله تعالى :اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ[ البقرة : 60 ] أي فضرب فانفجرت .
قوله : ( لتطويلهم وكثرة مراجعاتهم ) بيان للسبب الذي لأجله كادوا وقربوا لا يذبحون .
وذكر له أسبابا ثلاثة : الأول تطويلهم في الاستكشاف واستقصائهم في طلب وصف تلك البقرة وكثرة سؤالهم عن أحوالها وذلك قد يكون للامتناع عن الفعل فجعل ذلك منهم قريبا من الامتناع عنه . والثاني خوف افتضاحهم بظهور القاتل كما قيل : لعل القوم أرادوا أن يذبحوا أي بقرة كانت إلا أن القاتل خاف من الفضيحة فألقى شبهة في نفوسهم بأن قال : إن تلك البقرة التي لها تلك الخاصة العجيبة لا تكون إلا بقرة عجيبة لا نظير لها في أبناء جنسها فحملهم على الاستقصاء في السؤال حتى قيل : إن أول من راجع موسى عليه السّلام في البحث عن البقرة القاتل خوف أن يفتضح . والثالث غلاء ثمنها وهو ملىء مسكها ذهبا