مختلفة مستدلّين بأن الرسل كانوا يرونهم كذلك . وقالت طائفة من النصارى : هي النفوس الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان وزعم الحكماء أنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة منقسمة إلى قسمين : قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره ، كما وصفهم في محكم تنزيله فقال :
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
[ الأنبياء : 20 ] وهم العلّيون والملائكة المقربون وقسم
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ
[ السجدة : 5 ] على ما سبق به القضاء وجرى به القلم الإلهي
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ التحريم : 6 ] وهم المدبرات أمرا فمنهم سماوية ومنهم أرضية على تفصيل أثبته في كتاب الطوالع . والمقول له الملائكة كلّهم لعموم اللفظ وعدم
شرح
القولين الآخرين ، فإن النفوس البشرية المفارقة لأبدانها خيرة كانت أو شريرة ليست بأجسام عند النصارى وكذا الجواهر المجردة المخالفة بالماهية للنفوس الناطقة عند الحكماء فإنها ليست أجساما متحيزة البتة .
قوله : ( هي النفوس الفاضلة ) أي الخيرة الفاضلة على النفوس الرديئة الخبيثة فإن النفوس المفارقة عندهم إن كان خيرة صافية فهي الملائكة وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين . فالملائكة والشياطين عندهم ليستا حقيقتين مخالفتين للنفوس البشرية الناطقة خلافا للفلاسفة ، فإن الملائكة عندهم جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة البتة وأنها مخالفة بالماهية لأنواع النفوس الناطقة البشرية وأنها أكمل قوة منها وأكثر علما . قوله : ( والمقول له الملائكة كلهم ) اختلفوا في الملائكة الذين قيل لهم :إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةًأهم كل الملائكة أم بعضهم ؟ فقال الأكثرون من الصحابة والتابعين رضي اللّه عنهم : إنه سبحانه وتعالى قال ذلك لجماعة الملائكة كلهم ، لأن لفظ الملائكة جمع محلى باللام فيفيد العموم ولا مخصص ولا وجه لتخصيص العام من غير مخصص . وقيل : إنهم ملائكة الأرض لأن الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه ويسكن مسكنه بعد ذهابه . والمراد به ههنا آدم عليه السّلام وبنوه وقد استخلفهم اللّه تعالى وأسكنهم في الأرض بعد ما أزال عنها الملائكة ، وكان الظاهر أن يكون المقول له ملائكة الأرض ويقال لهم : إني جاعل في الأرض خليفة مثلكم لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذريته . وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : المقول له إبليس ومن كان معه في محاربة الجن ليعاونه على طرد الجن عن وجه الأرض ، وذلك ان اللّه سبحانه وتعالى لما خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن وهم بنو الجان أسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض فعبدوا اللّه سبحانه وتعالى دهرا طويلا في الأرض فظهر فيهم الحسد والبغي فاقتتلوا وأفسدوا فبعث اللّه تعالى جندا من الملائكة يقال لهم : اجن رأسهم إبليس وهم خزان الجنان اشتق لهم اسم من الجنة . وأما الجنة الذين