يستنبىء ملكا ، كما قال اللّه تعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
[ الأنعام : 9 ] ألا ترى أن الأنبياء لما فاقت قوتهم واشتعلت قريحتهم بحيث
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
[ النور : 35 ] أرسل إليهم الملائكة ، ومن كان منهم أعلى رتبة كلّمه بلا واسطة كما كلّم موسى عليه السّلام في الميقات ومحمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة المعراج . ونظير ذلك في الطبيعة أن العظم لما عجز عن قبول الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد جعل البارىء تعالى بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من هذا ويعطي ذلك . أو خليفة من سكن الأرض قبله أو هو وذرّيته لأنهم يخلفون من قبلهم أو يخلف بعضهم بعضا ، وإفراد اللفظ إمّا للاستغناء بذكره عن ذكر بنيه كما استغنى بذكر أبي القبيلة في
شرح
والاحتياج تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا بل هو مبني على قصور المستخلف عليه عن قبول فيضه تعالى بالذات بلا واسطة من خلاف جنسه . وقوله : « لم يستنبىء ملكا » أي لم يجعل اللّه تعالى ملكا نبيا فإن البشر لا يقدر على الاستفاضة من الملك كما قال تعالى :وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا[ الأنعام : 9 ] أي لو جعلنا الرسول ملكا لمثلناه رجلا كما مثل جبريل عليه الصلاة والسّلام في صورته وأنار أهم كذلك الأفراد من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لقوة روحانيتهم . قوله : ( ألا ترى ) تنويه لانتفاء احتياجه تعالى إلى من ينوب عنه وبيان لكون توسيط الواسطة يختلف على حسب اختلاف حال المستفيض . يعني أن معاملته تعالى في إفاضة الكمالات والمعارف على خلقه إنما هي بحسب استعداداتهم فمن كان مستعدا لاستفاضتها بلا وسيط يفيض عليه بنفسه بلا واسطة ملك ، ومن كان لا يقبلها إلا ممن كان من جنسه يفيض عليه بواسطة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام فإن الأنبياء لكون قوتهم النظرية فائقة على قوى سائر الأنام من حيث إنهم يتمكنون بقواهم على استنباط أنوار العلوم والمعارف من حيث إنهم أعطوا مصباح البصيرة المودع في زجاجة القلب الكائنة في مشكاة الجسد الموقدة تلك الزجاجة من زيت الروح الصافية عن الكدورات بحيث يكاد زيتها لغاية صفاته يضيء ولو لم تمسسه نار من النور الإلهي . أرسل إليهم الملائكة من حيث افتقارهم إلى الاستفاضة منهم وعدم احتياجهم إلى وسط من جنس بني آدم . قوله : ( ونظير ذلك ) أي ونظير احتياج المستحلف عليه إلى وسط من جنسه لقصوره عن القبول بالذات والغضروف والغرضوف بمعنى واحد وهو ما لان من العظم فهو لمناسبته للطرفين يأخذ من اللحم ويعطي العظم . قوله : ( أو خليفة من سكن الأرض قبله ) منصوب بالعطف على قوله : « خليفة اللّه في أرضه » قوله : ( أو هو وذريته ) عطف على قوله : « آدم » أي المراد بالخليفة إما آدم وحده بقرينة إفرد اللفظ وسياق الكلام أو هو وذريته جميعا بقرينة قولهم :أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ .قوله : ( وإفراد اللفظ الخ ) جواب عما يقال : لو كان المراد به آدم وذريته