فإنهما من الظروف الغير المتصرّفة لما ذكرناه . وأمّا قوله تعالى :
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ
[ الأحقاف : 21 ] ونحوه فعلى تأويل اذكر الحادث إذ كان كذا ، فحذف الحادث وأقيم الظرف مقامه . وعامله في الآية قالوا أو اذكر على التأويل المذكور لأنه جاء معمولا
شرح
الحديث « لأعلم غضبك عليّ ورضاك عني إذا كنت » وتقدير قوله تعالى :وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ[ الأعراف : 86 ] اذكروا الحادث وقت كونكم قليلا وكذا هذه الآية إن كانت كلمة « إذ » فيها منصوبة « باذكر » مقدرة يكون تأويلها اذكر الحادث وقت قول ربك ، وقوله تعالى :وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ[ الأحقاف : 21 ] تأويله اذكر الحادث وقت إنذار قومك أو اذكر حادثه أعني عادا إذ أنذر ، وقوله تعالى :وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ[ ص : 41 ] في تأويل اذكر حادثته وقت ندائه وقس عليه أمثاله . قوله : ( فإنهما من الظروف الغير المنصرفة ) لا يستعملان إلا ظرفين ولا يتصرف فيهما بأن يجعلا تارة مرفوعين وتارة مجرورين أو منصوبين على أن يكونا مفعولا بهما فهما ليسا مثل الوقت واليوم والليل مما ليس بلازم الظرفية من أسماء الزمان ، فإن أمثال ذلك كما يجعل منصوبا على الظرفية يكون أيضا مرفوعا نحو : يومنا طيب وليلتنا باردة ، والفرق أن « إذ » و « إذا » لما كانا موضوعين لزمان النسبة كانت الظرفية لازمة لهما بخلاف نحو الوقت واليوم فإنه موضوع لمطلق الزمان أو لجزء معين منه مع قطع النظر عن وقوع نسبة ما فيه ، فلا تكون الظرفية معتبرة فيه بحسب الوضع وإنما حصلت باستعمال المتكلم فقوله : « فإنهما من الظروف الغير المتصرفة » مبني على لزوم ظرفيتهما المستفاد من قوله : « محلهما النصب ابدا بالظرفية » .
قوله : ( لما ذكرناه ) إشارة إلى ما مرّ من أن « إذ » و « إذا » ظرفان موضوعان لزمان نسبة مخصوصة . قوله : ( وأما قوله تعالى واذكر أخا عاد ) جواب ما يقال : كيف يصح الحكم عليهما بأن محلهما النصب على الظرفية أبدا مع أن « إذ » في هذه الآية ونحوها وهو مثل قوله تعالى :وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ[ ص : 41 ] لا يجوز أن يكون ظرفا للفعل المذكور وهو « اذكر » إذ ليس زمان الذكر زمان الإنذار ولا زمان ندائه بل هو بدل من المفعول به فيكون مفعولا به ؟ وتقرير الجواب ظاهر . قوله : ( وعامله في الآية قالوا ) والمعنىقالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيهاوقت أن قال لهم اللّه عز وجل :إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةًفحينئذ لا حاجة إلى التأويل وليس منصوبا ب « قال » المذكور بعده لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف . ويحتمل أن يكون الظرف معمولا لاذكر الأرض والسماء واذكر ما حدث إذ قال ربك ، وأما على تقدير انتصابه « بقالوا » فالجملة بما فيها تكون معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة من غير التفات إلى ما فيها من الجمل إنشاء أو إخبارا ، والقرينة المعينة لكون الظرف المذكور معمولا للذكر هو مأخذ اشتقاق « اذكر » في قوله تعالى :ذِكْرُ