تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( 29 ) فيه تعليل كأنه قال ولكونه عالما بكنه الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع ، واستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الأنيق كان عليما فإن إتقان الأفعال وإحكامها وتخصيصها بالوجه الأحسن الأنفع لا يتصوّر إلّا من عالم حكيم رحيم وإزاحة لما يختلج في صدورهم من أنّ الأبدان بعد ما تبددت وتفتت أجزاؤها واتصلت بما يشاكلها كيف تجمع أجزاء كلّ بدن مرة ثانية بحيث لا يشذّ شيء منها ولا ينضمّ إليها ما لم يكن معها فيعاد منها كما كان ، ونظيره قوله تعالى :
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
[ يس : 79 ] واعلم أنّ صحّة الحشر مبنيّة على ثلاث مقدمات وقد برهن عليها في هاتين الآيتين . أما الأولى فهو أن
شرح
روي « أن سقف الجنة عرش الرحمن وصحنها هو الكرسي » والعلم في ذلك عند اللّه تعالى . قوله : ( فيه تعليل ) يعني أن قوله تعالى :وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌيتضمن ثلاث فوائد : الفائدة الأولى أنه تعليل لما ذكر قبله من خلقهن مستوية معتدلة لا تفاوت فيها ولا فطور ولا أمت ولا انخفاض وخلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم . والثانية الاستدلال بما ذكر قبل على علمه بتفاصيل الأشياء كلياتها وجزئياتها فإن من كان خالقا للأرض وما فيها وللسموات وما فيها من العجائب والغرائب لا بد وأن يكون عالما بما يفعل فظهر بهذا أن استدلال المتكلمين على علمه تعالى بالجزئيات وحيث قالوا : إنه سبحانه وتعالى فاعل لهذه الأجسام على سبيل الاتقان والإحكام وكل فاعل على هذا الوجه لا بد أن يكون عالما بما يفعل على سبيل التفصيل حق مطابق للقرآن . والثالثة إزالة ما يختلج في صدورهم من استبعاد حشر الأجسام المدلول عليه بقوله تعالى :ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَقوله : ( تبددت ) أي تفرقت وقوله : « وتفتتت » أي تكسرت وقوله : « واتصلت بما يشاكلها » كاتصال الأجزاء النارية بالنار والهوائية بالهواء والمائية بالماء والأرضية بالأرض وقوله : « كيف تجمع أجزاء كل بدن » خبر « أن » مسلوبا عنه معنى الاستفهام أي لا تجمع البتة أجزاء كل بدن بعد ما تفتتت وقوله : « فيعاد » معطوف على قوله : « تجمع » والضمير المستتر في قوله : « فيعاد » راجع إلى كل بدن وضمير « منها » راجع إلى أجزاء كل بدن . قوله : ( واعلم أن صحة الحشر مبنية على ثلاث مقدمات ) الأولى أن أجزاء البدن قابلة للجمع والحياة . والثانية أنه تعالى عالم بأجزاء كل بدن بمواقعها . والثالثة أنه سبحانه وتعالى قدر على جمعها وإحيائها . وأشار إلى برهان المقدمة الأولى بقوله :وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْفإن إحياء الأشخاص بعد موتهم وتفرق أجزائهم إنما يكون بعلم تفاصيل الأجزاء المتفرقة وأن يعلم أي جزء لأي شخص وأن يجمع تلك الأجزاء المتفرقة على هيئتها الأولى حتى يتصور