مواد الأبدان قابلة للجمع والحياة وأشار إلى البرهان عليها بقوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
[ البقرة : 28 ] فإن تعاقب الافتراق والاجتماع والموت والحياة عليها يدلّ على أنها قابلة لها بذاتها وما بالذات يأبى أن يزول ويتغير . وأما الثانية والثالثة فإنه عالم بها وبمواقعها قادر على جمعها وإحيائها وأشار إلى وجه إثباتهما بأنه تعالى قادر على إبدائهم وإبداء ما هو أعظم خلقا وأعجب صنعا ، فكان أقدر على إعادتهم وإحيائهم وأنّه تعالى خلق ما خلق خلقا مستويا محكما من غير تفاوت واختلال مراعى فيه مصالحهم وسدّ حاجاتهم وذلك دليل على تناهي علمه وكمال حكمته جلّت قدرته ودقت حكمته . وقد سكن نافع وأبو عمرو والكسائيّ الهاء من نحو فهو وهو تشبيها له بعضد .
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
تعداد لنعمة ثالثة تعمّ الناس كلّهم ، فإن خلق آدم وإكرامه وتفضيله على ملائكته بأن أمرهم بالسجود إنعام يعمّ ذرّيّته . وإذ ظرف وضع لزمان نسبة ماضية وقع فيه أخرى كما وضع إذ الزمان نسبة
شرح
إحياؤها ، فإن تعاقب الافتراق والاجتماع والموت والحياة على تلك الأجزاء يدل على أنها قابلة لها دواما بالذات لا تزول بالغير . وأشار إلى الثانية والثالثة بأنه عالم بمواد الأبدان ومواقعها وقادر على جمعها وإحيائها وأثبتهما ببيان إبدائهم بقوله :فَأَحْياكُمْوبيان إبداء ما هو أعظم خلقا وهو خلقه ما في الأرض جميعا وتسوية السماوات وخلقهن مصونة عن العوج والفطور ، فإنه يدل على أنه سبحانه وتعالى أقدر على إعادتهم وإحيائهم لأن جمع الأجزاء الموجودة أهون من الإيجاد من العدم الصرف عند عقولنا وقدرته على جمع الأجزاء وإحيائها على طريق الإعادة تدل على كمال علمه بحيث يعلم تلك الأجزاء المتفرقة ويعلم أي جزء لأي شخص ويعلم أيضا مواقعها . قوله : ( وقد سكن نافع الخ ) اعلم أنه يجوز تسكين الهاء من « هو » و « هي » إذا وقعت بعد الواو والفاء ولام الابتداء و « ثم » نحوفَهِيَ كَالْحِجارَةِ[ البقرة : 74 ]وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌلَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[ الحج : 64 ]لَهِيَ الْحَيَوانُ[ العنكبوت : 64 ] ثم هود يوم القيامة من المقبوحين تشبيها ل « هو » الذي انضم إليه أحد الأحرف المذكورة بعضد و « لهي » بكتف فكما يجوز تسكين عين عضد وكتف يجوز تسكين هاء هو وهي بعد الأحرف المذكورة إجراء للمنفصل مجرى المتصل لكثرة دورها معها .
قوله : ( تعداد لنعمة ثالثة ) كأنه قيل : كيف تكفرون باللّه وقد خلقكم وخلق الأشياء لكم وأنعم على أبيكم بما ذكر في القصة من النعم وتعظيم الأب وإكرامه نعمة تعم جميع فروعه تستدعي شكرهم وانقيادهم لمن أنعم بها . قوله : ( وإذ ظرف وضع لزمان نسبة ماضية وقع فيه أخرى ) أي نسبة المسند إليه سواء كانت تلك النسبة مضمون جملة اسمية أو فعلية فإن « إذ »