فَسَوَّاهُنَّ
عدّلهنّ وخلقهنّ مصونة من العوج والفطور . وهنّ ضمير السماء إن فسرت بالأجرام لأنه جمع أو هو في معنى الجمع ، وإلّا فمبهم يفسّره ما بعده كقولهم :
شرح
السماء أشد ، ثم استؤنف فقيل : بناها بناء رفيعا بلا عمد مشتملا على عجائب الصنعة وكمال الحكمة فمن قدر على ذلك فهو على إعادتكم أقدر ، ثم قيل : وتعرفوا الأرض وتدبروا أمرها بعد ذلك ، ثم استؤنف بأن قيل : دحاهاأَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها[ النازعات : 31 ] الآية فعلى هذا التأويل لا دلالة في الآية على تأخر دحو الأرض وخلق ما فيها عن خلق السماء حتى تناقض قوله :ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ .قوله : ( عدلهن وخلقهم مصونة عن العوج والفطور ) فسر التسوية بالتعديل والتقويم المستلزم للاعتدال والاستقامة إلا أن بناء الفعل لما أوهم أن يكون تعلق الفعل بمفعوله بطريق تغييره من ضد ذلك الفعل إليه كتسوية السماء فإنه يوهم أن يكون المعنى إزالة عوجها وتغيير حالها إلى الاعتدال والاستقامة وليس المعنى كذلك . دفع ذلك بقوله : « وخلقهن مصونة » الخ أي ليس المعنى غيرهن من العوج إلى الاستواء بل أوجدهن من مستوية سالمة من الخلل كالعوج والفطور والأمت قال سبحانه وتعالى في حق آدم عليه السّلام :فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي[ الحجر : 29 ] أي فإذا خلقته وأوجدته مستويا سالما من العيب والخلل يقال :
ضيق فم الزكية ووسع الدار وقصر الثوب بمعنى أوجدها كذلك ، والعوج بفتحتين مصدر عوج الشيء بكسر الواو فهو أعوج والاسم العوج بكسر العين وفتح الواو . قوله : ( وهنّ ضمير السماء أن فسرت بالأجرام لأنه جمع ) أي جمع سماءة أو سماوة كجرادة مفرد جرادات أو جراد ، وسماءة أصلها سماوة بدلت واوها همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة كما في كساء ورداء ، وكذا أصل سماء سما ولأنه من السمو وهو الارتفاع ويجوز أن يقال سماوة من غير إبدال واوها همزة لخروجها عن التطرف بسبب التاء . قوله : ( أو هو في معنى الجمع ) من حيث كونه اسم جنس وعلى التقديرين يصح إطلاقه على الأجرام المتعددة . وصاحب الكشاف جعل كون السماء جمعا أو في معنى الجمع علة لصحة رجوع ضمير سواهن إلى السماء ، فاعترض عليه بأن الجمعية لم تثبت وأن الجنسية ليست كافية في رجوع المؤنث إليه . وجعله المصنف رحمه اللّه علة لصحة تفسيره بالأجرام العالية بل وإن فسرت بالجهات العلوية على تقدير أن تفسر السماء بالأجرام المتعددة لئلا يرد عليه ما يرد على تقرير الكشاف فاللّه دره . قوله : ( وإلا فمبهم يفسره ما بعده ) أي إن لم تفسر السماء بالأجرام العالية بل فسرت بالجهات العلوية على تقدير أن تفسر الأرض بجهة السفل كما أن تفسير السماء بالأجرام العالية على تقدير أن تفسر الأرض بالغبراء . فعلى تقدير أن تفسر السماء بالجهات العلوية وإن صح أن يرجع ضميرهن إلى السماء بمعنى الجهات من حيث اللفظ إلا أنه لا