تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
[ الأنعام : 122 ] وإذا وصف بها البارىء تعالى أريد بها صحّة اتصافه بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا أو معنى قائم بذاته يقتضي ذلك على الاستعارة . وقرأ يعقوب ترجعون بفتح التاء في جميع القرآن .
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى فإنّها خلقهم أحياء قادرين مرّة بعد أخرى وهذه خلق ما يتوق عليه بقاؤهم ويتمّ به معاشهم ومعنى لكم لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو بغير وسط ودينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرّف لما يلائمها
شرح
من قيدا لكل واحد من معنى الحياة في الباري تعالى ، وأراد بالاستعارة مطلق المجاز المتناول لقسميه . قوله : ( وقرأ يعقوب ترجعون بفتح التاء ) بمعنى تعودون فإن « رجع » يستعمل لازما كما في قراءة يعقوب يقال : رجع بنفسه رجوعا ، ويستعمل متعديا أيضا حيث يقال : رجعه غيره رجعا ، وهذيل تقول : أرجعه غيره كذا في الصحاح . والقراءة المشهورة يجوز أن تكون من « رجع » المتعدي وجاز أن تكون من « ارجع » من باب الأفعال . قوله : ( فإنها خلقهم أحياء ) أي فإن النعمة الأولى من النعم العامة المقتضية للشكر هي خلقهم أحياء قادرين مرة بعد مرة أخرى وهذه النعمة الأخرى المترتبة على الأولى هي خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم وإن لم يكن خلق نفس الأرض والسماء مرتبا على خلق نفس الإنسان وإيجاده بل الأمر بالعكس . قال الإمام رحمه اللّه : وما أحسن ما راعى اللّه في هذا الترتيب فإن الانتفاع بالأرض والسماء إنما يكون بعد حصول الحياة فلهذا ذكر اللّه تعالى أمر الحياة أولا ثم اتبعه بذكر السماء والأرض . قوله : ( ومعنى لكم لأجلكم وانتفاعكم ) لأن اللام لاختصاصه بطريق الابتداء كما في نحو : الجل للفرس . قوله : ( بوسط أو بغير وسط ) متعلق بالاستنفاع فإن بعض ما خلق في الأرض ينتفع به الإنسان بغير وسط كالمآكل والمشارب والملابس ، وبعضه لا ينتفع به الإنسان بل يتضرر به إلا أنه يغتذي به بعض الحيوانات ، والإنسان ينتفع بذلك الحيوان المنتفع به . ولذلك قال حكماء الإسلام : ليس في العالم شيء ضار بالإطلاق وإنما الضار ضار بالاعتبار إلى بعض الجزئيات التي في العالم . قوله : ( ودينكم بالاستدلال ) عطف على قوله : « في دنياكم باستنفاعكم بها » على طريق العطف على معمول عاملين مختلفين ، والمجرور لفظا مقدم على المنصوب محلا ، فإن ما في الأرض لاشتماله على عجائب الصنع يستدل به على وجود الصانع القادر الحكيم ولاشتماله على أسباب الأنس وطيب الحال يتعرف ويعتبر به لذات الآخرة وثوابها فإنها بأسرها أنموذج نعيم الجنة ولذاتها ، ولاشتماله على أسباب الوحشة وضيق البال يتعرف ويعتبر به آلام الآخرة وعقابها فإنها أيضا أنموذج عذاب النار ووحشتها نعوذ باللّه من سوء الخاتمة ومن عذاب النار .