لذات الآخرة وآلامها ، لا على وجه الغرض فإنّ الفاعل لغرض مستكمل به بل على أنه كالغرض من حيث إنه عاقبة الفعل ومؤدّاه وهو يقتضي إباحة الأشياء النافعة . ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض لأسباب عارضة فإنه يدلّ على أن الكل للكل لا أن كلّ واحد لكل واحد وما يعمّ كل ما في الأرض لا الأرض إلا إذا أريد بها جهة السفل
شرح
قوله : ( لا على وجه الغرض ) متعلق بقوله : « معنى لكم لأجلكم وانتفاعكم » فإنه لما أوهم أن يكون انتفاع المكلفين بما في الأرض علة غائبة حاملة له سبحانه وتعالى وهو لا يفعل فعلا لغرض بناء على أن الأمر لو كان كذلك لكان تعالى مستكملا بذلك الغرض والمستكمل بغيره ناقص في ذاته وذلك محال على اللّه تعالى . والحاصل أن أصحابنا رحمهم اللّه لما اتفقوا على أنه سبحانه وتعالى لا يفعل فعلا لغرض جعلوا اللام المؤدية للعلية في نحو قوله تعالى :خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِوقوله :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] استعارة لمعنى الحكمة والمصلحة فإن أفعاله سبحانه وتعالى وإن لم تكن تعلل بالأغراض فإنها متضمنة لحكم ومصالح لا تعد ولا تحصى وهي كالغرض في كونها عاقبة الفعل ومؤداه فلذلك أدخل عليها لام الغرض تشبيها لها بالغرض . قوله : ( وهو يقتضي إباحة الأشياء النافعة ) فلذلك ذهب جماعة من أهل السنة من الحنفية والشافعية منهم الإمام فخر الدين الرازي إلى أن الأصل في الأشياء النافعة هو الإباحة إلا أن يدل دليل سمعي على خطره فتثبت الحرمة حينئذ ، وبنوا هذه المسألة على نص هذه الآية واستدلوا به عليها ، فإن قيل : هذه المسألة إن كانت مأخوذة من هذه الآية وجب أن يكون ما خلق في الأرض من الأشياء النافعة والضارة والسموم القاتلة والقاذورات كالبول والغائط مباحة لعموم قوله :ما فِي الْأَرْضِللجميع فما وجه قوله : « وهو يقتضي إباحة الأشياء النافعة » ؟ أجيب بأن كلمة « ما » وإن كانت عامة إلا أن قوله :لَكُمْخصها بالنافعة بناء على أن اللام في « لكم » كما تدل على الاختصاص تدل أيضا على معنى النفع كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه في قوله : « ومعنى لكم لأجلكم » ومعلوم أن الخلق للانتفاع يختص بخلق الأشياء النافعة في الأرض ولا يتصور في خلق جميع ما في الأرض . قوله : ( ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض لأسباب عارضة ) ولا احتجاج لأهل الإباحة بقوله تعالى :خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاًعلى ما زعموه من أن لا يكون لأحد اختصاص بشيء مما في العالم أصلا لأنه تعالى لما خلق جميع الأرض لكل أحد لزم أن لا يختص أحد بشيء مما فيها . وهذا الاستدلال هو كل وهو لا ينافي اختصاص البعض بالبعض لأسباب شرعية كالشراء والهبة والوراثة والإجارة والنكاح وغير ذلك ، وإنما يصح جواز الاستدلال بها على عدم جواز اختصاص أحد بشيء أن لو كان المعنى أن كل واحد في الأرض لكل واحد منكم وليس كذلك . قوله : ( وما يعمّ كل ما في الأرض لا الأرض )