تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
كما يراد بالسماء جهة العلو وجميعا حال من الموصول الثاني .
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
قصد إليها بإرادته من قولهم : استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شيء وأصل الاستواء طلب السواء
شرح
وإلا لزم كون الشيء ظرفا لنفسه وهو محال . قال بعض أهل التفسير : معنى الآية خلق الأرض وما فيها بناء على أنها من قبيل ما اعتبر فيه التقديم والتأخير حيث قدم ذكر ما فيها وأخر ذكر نفسها كقوله تعالى :فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ[ الأنفال : 12 ] أي الأعناق فما فوقها وكان الحامل لهم على ذلك التأويل هو أن نفس الأرض أيضا تخلق وما خلقت لينتفع بها خالقها فتعين كونها مخلوقة لأجلنا كما أن ما في الأرض مخلوق لنا . وهذا المعنى إنما يستفاد بالتأويل المذكور ولم يرض المصنف بهذا التأويل لأن حمل الآية على التقديم والتأخير خلاف الظاهر فلا يرتكب لغير ضرورة ، وكون نفس الأرض مخلوقة لأجلنا قد ذكر سابقا بقوله تعالى :الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاًفلا حاجة إلى أن يتعرض له في هذه الآية بحملها على خلاف الظاهر حذرا من التكرار . قال صاحب الكشاف : هل يقول من زعم أن المعنى خلق لكم الأرض وما فيها بوجه صحته ؟ ثم أجاب بأنه إنما يصح إذا كان المراد بالأرض الجهات السفلية من القرى وما فيها وأما إذا أريد بالأرض حقيقة الأرض فلا لأن الشيء لا يكون ظرفا لنفسه وجميعا حال من الموصول الثاني وهو المفعول الصريح لقوله :خَلَقَوجاز كونه حالا من الضمير المجرور فيلَكُمْ .ولم يرضه المصنف لعدم كونه مناسبا لمقام الامتنان لأن الامتنان إنما يحصل بالتعرض لكثرة النعم لا لكثرة المنعم عليه . قوله : ( قصد إليها بإرادته ) أي جعل إرادته متعلقة بها أي بخلقها تعلقا حادثا فإنه لم يكن ثمة سماء متحققة حتى يقصد إلى نفسها . والاستواء ليس عبارة عن مطلق القصد بل هو القصد المستوي إلى الشيء من غير ميل وانعطاف على شيء آخر إلا أن الاستواء بهذا المعنى لما كان من خواص الأجسام لا يصح إسناده إليه سبحانه وتعالى ، فلذلك جعل المصنف الاستواء المسند إليه مستعارا لمعنى الإرادة بأن شبه إرادة اللّه تعالى خلق السماء من غير إرادة خلق شيء قبلها باستواء السهم وقصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شيء ويميل إليه . واستعير لها لفظ « الاستواء » واشتق منه لفظ « استوى » فصار استعارة تبعية وبيّن أن المستعار منه هو القصد المستوي الذي ليس فيه انعطاف على شيء حيث قال : « من قولهم استوى إليه كالسهم المرسل » ، ثم بيّن أن القصد المستوي والإقبال على وجه الاستقامة ليس أصل معنى الاستواء بل أصل معناه طلب السواء والعدل في الوصول إلى المقصود ، ومعنى الطلب مستقاد من بناء افتعل بناء على أنه قد يكون للتصرف والاعتمال نحو اكتسب فإنه بمعنى
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 481 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين