وأوعدهم على الكفر أكّد ذلك بأن عدد عليهم النعم العامّة والخاصّة ، واستقبح صدور الكفر منهم واستبعده عنهم مع تلك النعم الجليلة ، فإنّ عظم النعم يوجب عظم معصية المنعم . فإن قيل : كيف تعدّ الإماتة من النعم المقتضية للشكر ؟ قلت : لما كانت وصلة إلى الحياة الثانية التي هي الحياة الحقيقية كما قال اللّه تعالى :
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
[ العنكبوت : 64 ] كانت من النعم العظيمة مع أن المعدود عليهم نعمة هو
شرح
الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُإلى قوله :وَهُمْ فِيها خالِدُونَوأوعدهم على الكفر بقوله تعالى :فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُواإلى قوله تعالى :أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَوقد مر أن المقصود بقوله تعالى :وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواعطف حال من آمن بالقرآن ووصف ثوابه على حال من كفر به وكيفية عقابه فالقصتان المتعاطفتان متعلقتان بالقبيلين . قوله : ( آكد ذلك ) جواب « لما » وقوله ذلك إشارة إلى ما ذكر بعد « لما » وذكر من النعم التي تعم جميع المكلفين أربع نعم : أولاها نعمة الإحياء بالآيات المؤدية إلى الحياة الثابتة الأبدية وهي المذكورة بقوله تعالى :كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْوثانيتها ما ذكر بقوله تعالى :هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ[ البقرة : 29 ] الآية فإن خلق ذلك مما ينتفع به عامة المكلفين في دينهم ودنياهم ، أما في الدنيا فبتقوية أبدانهم وإصلاح أحوالهم وتمكينهم على الطاعات وأما في الدين فلاستدلالهم به على كمال قدرة الصانع وسائر صفات جلاله وجماله واعتبارهم به إلى ما أعد لتعذيب العصاة كالسباع والحيات والعقارب ونحوها ، فإن فيها عبرة وتخويفا بليغا للمعتبرين من حيث إن رؤية ما يحكى عن بعض أوصاف العقوبات المتوعد بها أبلغ في الزجر عن المعصية . وثالثتها ما ذكر بقوله تعالى :وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[ البقرة : 30 ] فإن فيه دلالة على كيفية خلقة آدم عليه السّلام وعلى كيفية تعظيم اللّه تعالى إياه فإن ذلك إنعام عام على جميع بني آدم . ورابعتها ما ذكر بقوله تعالى :وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ[ البقرة : 34 ] الآية فإنه تعالى ذكر أولا تخصيص آدم بالخلافة ثم ذكر تخصيصه بالعلم الكثير ثانيا ثم بلوغه في العلم إلى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم ثالثا . ثم ذكر بهذه الآية أنه تعالى أكرم أبانا بسجود الملائكة وذكر النعمة الحاصلة بقوله تعالى :يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ[ البقرة : 40 ] إلى قوله :ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ[ البقرة : 106 ] . قوله : ( واستقبح صدور الكفر منهم ) حيث قال :كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِفإنه وإن كان على صورة الاستخبار إلا أن المراد التعجب والإنكار والتعنيف والاستبعاد حتى يتجافى المؤمن بذلك عن الكفر والطغيان وينزجر الكافر عنه ويرغب في الإيمان . قوله : ( مع أن المعدود عليهم نعمة هو