يرجعون ؟ قلت : تمكّنهم من العلم بهما لما نصب لهم من الدلائل منزّل منزلة علمهم في إزاحة العذر . سيّما وفي الآية تنبيه على ما يدلّ على صحتهما وهو أنه تعالى لمّا قدر على
شرح
في الوجود ولا تقارن بينهما ههنا لأن كفرهم فعل حالي وبعض هذه القصة متقدم عليه وبعضها متأخر عنه فلا تقارن البتة وأشار إلى جوابه بقوله : « مع علمكم بحالكم هذه » .
وتقديره أن الحال النحوي ليست نفس حالهم وقصتهم حتى يرد أن يقال إنها ليست مقارنة لكفرهم في الوجود بل هي علمهم بتلك الحالة والقصة كأنه قيل : كيف تكفرون وأنتم عالمون بحالكم من أولها إلى آخرها ؟ ويجوز أن يكون كفرهم الحالي مقارنا لعلمهم بجملة أحوالهم المذكورة . قوله : ( تمكنهم من العلم بهما ) أي بالإحياء الثاني والإرجاع إليه تعالى وقوله : « لما نصب لهم » علة لتمكنهم من العلم بهما وقوله : « منزل منزلة علمهم » خبر لقوله :
« تمكنهم » فإن من تمكن من تحصيل العلم بالشيء يكون بمنزلة العالم به فإنهم إذا علموا حقيقة كل واحد من الإحياء الثاني والإرجاع إليه سبحانه وتعالى لا يبقى لهم عذر في الكفر باللّه تعالى ، فكذا إذا تمكنوا من العلم بهما . فإن العالم بالشيء كما ينزل منزلة الجاهل به لعدم جريه على مقتضى علمه ، فكذلك الجاهل به ينزل منزلة العالم به لتمكنه من العلم به .
وهذا الجواب يقتضي أن يكون العلم في قول المصنف رحمه اللّه « فما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم » متناولا للعلم حقيقة ولما هو منزل منزلته وهو التمكن منه وهو جمع بين الحقيقة والمجاز وهو غير جائز إلا أن يحمل على عموم المجاز ، ويكون المعنى مع كونكم مزاحي العذر في ارتكاب هذا المنكر . قوله : ( سيما وفي الآية تنبيه على ما يدل على صحتهما ) أي على صحة الإحياء بعد الموت والإرجاع إليه تعالى والمقصود منه تأييد كونهما منزلين منزلة معلوم الوقوع بناء على ما نصب من الدلائل الدالة على وقوعهما . فإن العقل يقتضي وقوع البعث والرجوع إلى الجزاء من وجوه : أحدها أن خلق الخلق لمجرد الإفناء والإماتة من غير أن يترتب عليه عاقبة حميدة عبث ولعب كبان بنى بيتا لمجرد النقض والتخريب من غير أن يترتب على الخلق والإحداث عاقبة حميدة فإن ذلك يعد عبثا ولعبا .
فلو لم يبعث الخلائق بعد الموت ولم ينقلوا إلى دار أخرى معدة للجزاء ليكون خلق هذه الدار وسيلة إليها لكان خلقهم ابتداء عبثا خاليا عن العاقبة تعالى اللّه عن ذلك . وثانيها أن التسوية بين العدو والولي في الكرامة والنعمة ليست بحكمة فإن العقل السليم يأبى عنها ولا يرضى بها بل يوجب الفضل بينهما ومن سوّى بينهما في الشاهد يعد سفيها . وقد ورد السمع على تقرير هذا الأصل قال اللّه سبحانه وتعالى :أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ[ الجاثية : 21 ] وقال تعالى :أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ[ القلم : 35 ، 36 ] ثم إنه قد تقع التسوية