له الحبل لما فيه من ربط أحد المتعاهدين بالآخر . إن أطلق مع لفظ الحبل كان ترشيحا للمجاز وإن ذكر مع العهد كان رمزا إلى ما هو من روادفه وهو أن العهد حبل في ثبات الوصلة بين المتعاهدين ، كقولك : شجاع يفترس أقرانه وعالم يغترف منه الناس فإنّ فيه تنبيها على أنه أسد في شجاعته بحر بالنظر إلى إفادته . والعهد الموثق ووضعه لما من شأنه أن يراعى ويتعهّد كالوصيّة واليمين . ويقال للدار من حيث إنها تراعى بالرجوع إليها
شرح
بقرينتها تعين أن يكون النقض ترشيحا لأنه في اصطلاحهم ذكر ملائم المستعار منه بعد تمام الاستعارة بقرينتها بخلاف ما إذا استعمل النقض مع العهد الذي لا تأليف فيه حتى يقبل النقض والتحليل ، فإن النقض حينئذ لا يكون ترشيحا لأن الترشيح إنما يكون بعد تمام الاستعارة وهي لا تتم إلا بعد ذكر قرينتها والنقض حينئذ يكون تخييلا للاستعارة المكنية وقرينة لها والقرينة لا تكون ترشيحا البتة ، وهو معنى قوله : « كان رمزا إلى ما هو من روادفه » والشيء المرموز به هو أن العهد حبل أي كالحبل لكونه سببا للارتباط وثبات الوصلة كما أن افتراس الأقران تخيل ورمز إلى الاستعارة المكنية التي هي تشبيه الشجاع بالأسد لكونه من روادف الأسد ولوازمه . وكذا اغتراف الناس من العالم فإنه تخييل ورمز إلى تشبيه العالم بالبحر بناء على أن الافتراس إهلاك الحيوان بدق عنقه وقلع رأسه عن جسده ثم استعمل في كل إهلاك ، والاغتراف الأخذ من الشيء المايع الكثير القدر بالمغرفة أو باليد .
قوله : ( والعهد الموثق ) وهو إما مصدر ميمي بمعنى الميثاق وهو العهد المؤكد أصله « موثاق » قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، والمواثقة المعاهدة كقوله تعالى :وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ[ المائدة : 7 ] والموثق الشيء المحكم . الجوهري : وثقت بفلان أثق بالكسر فيهما ثقة إذا ائتمنته ، والميثاق العهد وجمعه مواثيق ومياثق ومياثيق أيضا والموثق الميثاق . إلى هنا كلامه . ونقل شرف الدين الطيبي عن الراغب الأصفهاني أنه قال : العهد حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال ، وعهد فلان إلى فلان يعهد أي ألقى العهد إليه وأوصاه بحفظه . قوله : ( ووضعه لما من شأنه ) أي ووضع العهد لأن يستعمل فيما من شأنه أن يراعي ويتعهد أي يحفظ ولا يضيع كالوصية واليمين والأمر بالمعروف والوعد ونحو ذلك . فعهد اللّه تعالى يتناول كل ما أحكمه علينا بوصيته وأمره أو على نفسه بوعده إياه وقد جاء في حق وعده بالجنة في قوله تعالى :فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ[ البقرة : 80 ] ومنه قوله تعالى :أُوفِ بِعَهْدِكُمْ[ البقرة : 40 ] بعد قوله :وَأَوْفُوا بِعَهْدِي[ البقرة : 40 ] أي أدوا فرائضي التي أمرتكم بها أنجز لكم ما وعدتكم به لمن أطاعني برعاية تكاليفي ، وقد جاء في حق اليمين في قوله تعالى :وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا[ النحل : 95 ] لأن كل واحد منهما مما يراعي