والتاريخ لأنه يحفظ . وهذا العهد إمّا العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده الدالة على توحيده ووجوب وجوده وصدق رسوله ، وعليه أوّل قوله تعالى :
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ
[ الأعراف : 172 ] . أو المأخوذ بالرّسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدّق بالمعجزات صدّقوه واتّبعوه ولم يكتموا أمره ولم يخالفوا حكمه ، وإليه أشار
شرح
ويحفظ . ويطلق العهد أيضا على الدار لأن من شأنها أن تراعى وتتعهد بالرجوع إليها كلما فرغ صاحبها من مهماته التي تقضي خارجها . ويطلق على التاريخ كذلك فإن تواريخ الأمور المعتد بها مما تراعى وتحفظ . قوله : ( وهذا العهد ) أي العهد المذكور في قوله تعالى :يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِأما العهد الذي أخذه اللّه سبحانه وتعالى على عباده المكلفين بإعطاء العقل إياهم وجعلهم بحيث يتمكنون به من استدلال على وجوب وجوده ووحدانيته وصدق رسوله ، فإن العقل كاف في تحصيل هذه الأمور بلا توقف على الشرع اتفاقا . فاللّه سبحانه وتعالى لما أعطاهم العقل وركز في عقولهم حججا دالة على هذه المطالب ومكّنهم من الاستدلال بها عليها صار كأنه سبحانه وتعالى وصّاهم بها ووثاقها عليهم . قوله : ( وعليه أول قوله تعالى : وأشهدهم على أنفسهم ) أيأَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى[ الأعراف : 172 ] يعني أنه أول إشهادهم على أنفسهم بأنه تعالى أعطاهم العقل ونصب لهم دلائل ربوبيته وركزها في عقولهم ومكنهم من الاستدلال بها حتى صاروا بذلك بمنزلة من قيل لهم :أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى[ الأعراف : 172 ] فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه بمنزلة إشهادهم على أنفسهم باعترافهم بها . فعلى هذا يكون المراد بالناقضين لعهد اللّه جميع الكفار لأنهم جميعا نقضوا ما ركز في عقولهم من دلائل الحق . قوله : ( أو المأخوذ بالرسل ) عطف على قوله : « المأخوذ بالعقل » أي ويحتمل أن يكون المراد بهذا العهد العهد الذي أخذه اللّه سبحانه وتعالى على الأمم بإرسال الرسل . فإنه سبحانه وتعالى أخذه من أهل الكتاب على ألسنة رسلهم بأن أمر الرسل أن يقولوا للأمم : إذا بعث إليكم رسول مصدق يصدقه اللّه تعالى بخلق المعجزات على يده فصدقوه واتبعوه بامتثال ما أمركم به والانتهاء عما نهاكم عنه ولا تكتموا شيئا من نعوته المذكورة فيما تقدم من الكتب المنزلة . كما أخذ العهد من بني إسرائيل في كتابي التوراة والزبور أن يؤمنوا بكل نبي صدقه اللّه تعالى بخلق المعجزات على يده ، وذكر فيهما عيسى ونبينا محمدا عليهما الصلاة والسّلام باسمهما ونعوتهما وأمرهم أن لا يكتموا شيئا من أمرهما فنقضوا عهد اللّه فيهما وكتموا أمرهما . وأشار إلى أخذ العهد منهم بقوله تعالى :وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ[ آل عمران : 187 ] أي بالقول ولا يكتمونه أي بالفعل وإلى نقضهم بقوله :فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ[ آل عمران : 187 ] أي كفروا به وكتموا نعتهوَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا[ آل عمران : 187 ] وهو عرض الدنيا . فظهر أن العهد