شرح
اثْنَيْنِ[ النحل : 51 ] ، وقد تكون لمجرد الترحم نحو : أتاك زيد البائس الفقير . والفاسق ههنا كما أنه معلوم بوصف كونه خارجا عن طاعة اللّه تعالى معلوم أيضا بكونه ناقضا لعهد اللّه لأن نقض العهد صفة لازمة للفاسقين ، فإن كل فاسق ناقض لعهد اللّه قاطع ما أمره بوصله فلذلك كانت الصفة ههنا للذم والتقرير جميعا . ويجوز أن يكون انتصاب الموصول مع صلته على الذم لا على الوصفية وأن يكون مرفوع المحل على الابتداء وخبره جملة قوله :أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ .قوله : ( والنقض فسخ التركيب ) وتفريق إجراء المركب حبلا كان ذلك المركب أو بناء أو نحوهما . نقل هذا المعنى من فسخ طاقات الحبل وتفريق بعضها عن بعض ، وعهد اللّه وصيته وأمره يقال : عهد الخليفة إلى فلان كذا وكذا أي أمره وأوصى به .
ومنه قوله سبحانه وتعالى :أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ[ يس : 60 ] . قوله : ( واستعماله في إبطال العهد ) جواب ما يقال من أن النقض لما كان عبارة عن الفسخ وإبطال التركيب وجب أن يكون متعلقه أمرا حسيا مؤلفا من الأجزاء ، ولا تأليف في عهد اللّه تعالى وأمره فلا وجه لأن يطلق النقض على إبطال العهد وإفساده . ومحصول الجواب أن نسبة النقض إلى العهد مع أنه لا تركيب فيه حتى يقبل النقض من قبيل إثبات الأظفار للمنية في قولهم :
أنشبت المنية أظفارها من حيث إنه تخييل للاستعارة بالكناية ودليلها . فكما أن المنية شبهت بالسبع تشبيها مضمرا في النفس ودل على ذلك التشبيه بإثبات بعض لوازم السبع وروادفه لها ، فكذلك العهد شبه بالحبل من حيث إن كل واحد منهما سبب لثبات الوصلة بين اثنين ودل عليه بذكر شيء من لوازم الحبل وهو الصلاحية للنقض ، والانحلال على سبيل التخييل للاستعارة بالكناية التي هي التشبيه المضمر في النفس على مذهب صاحب الإيضاح . ولما شبه العهد بالحبل في كونه سببا لثبات الوصلة استعير له الحبل في نحو قوله تعالى :وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً[ آل عمران : 103 ] فإن حبل اللّه استعير فيه لعهده بناء على المشابهة المذكورة وقول من قال : إن بيننا وبين القوم حبالا أي عهودا . ولما ذكر المصنف رحمه اللّه تعالى أن أصل النقض إبطال تأليف الجسم وتحليل أجزائه وأن استعماله في إبطال العهد مبني على تشبيه العهد بالحبل من حيث إن كل واحد منهما سبب للارتباط ولثبات الوصلة بين المرتبطين ، ظهر أن النقض مما يلائم الحبل ويناسبه فلذلك فرع عليه قوله : « فإن أطلق مع لفظ الحبل » الخ أي إن استعمل النقض مع لفظ الحبل الذي أريد به العهد على طريق الاستعارة التصريحية فقيل مثلا : نقض حبل اللّه أي عهده كان النقض ترشيحا لتلك الاستعارة التصريحية لكونه ملائما للمستعار منه ومتفرعا على الاستعارة بعد تمامها بقرينتها ، فإن إضافة الحبل إلى اللّه تعالى قرينة دالة على كونه مستعارا للعهد ، ولما تبينت الاستعارة