تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
فواسقا عن قصدها جوائرا
والفاسق في الشرع الخارج عن أمر اللّه بارتكاب الكبيرة وله درجات ثلاث : الأولى التغابي وهو أن يرتكبها أحيانا مستقبحا إياها ، والثانية الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها ، والثالثة الجحود وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها ، فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه ولابس الكفر . وما دام هو في درجة التغابي أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن لاتّصافه بالتصديق الذي هو مسمّى الإيمان لقوله تعالى :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
[ الحجرات : 9 ] والمعتزلة لمّا قالوا الإيمان عبارة عن مجموع التصديق والإقرار والعمل والكفر تكذيب الحقّ وجحوده جعلوه قسما ثالثا
شرح
يذهبن في نجد وغورا غائرا * ( فواسقا عن قصدها جوائرا )النجد ما ارتفع من الأرض ، والغور ضده ، والجوائر جمع جائرة من الجور بمعنى الميل عن القصد لا بمعنى الظلم ، وغورا عطف على محل في نجد . يصف نوقا متعسفات في مشيتهن جائرات عن الطريق المستقيم يمشين في المغاوز ويملن عن الطريق المستقيم ويذهبن تارة في نجد وأخرى في غور . قوله : ( والفاسق في الشرع الخارج عن أمر اللّه ) أي بترك الامتثال له وهو يتناول الخارج عن نهيه أيضا إما بتأويل النهي عن الشيء بالأمر بالامتناع عما نهي عنه ، أو بأن يراد بالأمر الأمر المعهود المذكور بقوله سبحانه وتعالى :أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ[ النور : 54 ] ولا شك أن الإطاعة تتناول الإطاعة في جميع التكاليف أمرا كان أو نهيا ، وأن من ارتكب شيئا من الكبائر كفرا كان أو لا فقد خرج عن طاعة اللّه تعالى . قال صاحب النهاية : والأصح في تفسير الكبيرة أن ما كان شنيعا بين المسلمين وفيه هتك حرمة اللّه تعالى والدين فهو كبيرة وإلا فهو صغيرة . وذكر المصنف رحمه اللّه لارتكاب الكبيرة ثلاث درجات : الأولى التغابي وهو من الغباوة التي هي قلة الفطنة ، والانهماك في الأمر الجد واللجاج فيه . ويقال : شارفت الشيء إذا اطلعت عليه وأتيته من فوقه ، ومطلع الأمر مأتاه . والخطط جمع خطة بكسر الخاء فيهما وهي الأرض يختطها الرجل لنفسه وهو أن يعلم عليها علامة بالخط ليعلم أنه قد اختارها ليبنيها دارا ، والربق بالكسر حبل فيه عدة عرى يشد بها البهم والعروة الواحدة من تلك العرى تسمى ربقة . وفي الحديث : « خلع ربقة الإسلام من عنقه » . قوله : ( لقوله تعالى وأن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) دليل على أن اسم المؤمن لا يسلب عمن يشارف مقام الجحود ، فإن الاقتتال كبيرة مع أنه سبحانه وتعالى أطلق على أهل الاقتتال لفظ المؤمنين . قوله : ( جعلوه قسما ثالثا ) جواب : « لمّا » يعني أنهم يسلبون اسم المؤمن عن الفاسق الذي في درجتي الانهماك والتغابي نظرا إلى أن العمل معتبر فيه ،