تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
النزوع . والأوّل مع الفعل والثاني قبله ، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به ولذلك اختلف في معنى إرادته . فقيل : إرادته لأفعاله أنه غير ساه ولا مكره ولا فعال غيره أمره بها ، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته . وقيل : علمه باشتمال الأمر على
شرح
المقدور وإيقاعه ، فإن الإرادة بمعنى القوة الحيوانية عند الأشاعرة صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع . قوله : ( والأول ) أي الإرادة بمعنى الميل والنزوع مع مع الفعل أي زمانا وإن كان متقدما عليه ضرورة . والميل معنى لغوي للإرادة لأنها أفعال من : راده يروده رود وريادا أي طلبه ومال إليه ، وأصل فعلها أرود يرودا روادا ، نقلت حركة الواو إلى ما قبلها ثم قلبت « ألفا » في الماضي والمصدر و « ياء » في المضارع . والإرادة عند كثير من المعتزلة اعتقاد النفع أو ظنه لأن نسبة القدرة إلى طرفي الفعل على التسوية ، فإذا حصل اعتقاد النفع أو ظنه في أحد طرفيه ترجح ذلك الطرف على الطرف الآخر عند القادر وأثرت فيه قدرته . وقال بعض المعتزلة : ليس الإرادة ما ذكر من الاعتقاد والظن بل هذا هو المسمى بالداعية ، وأما الإرادة فهي ميل يتبع ذلك الاعتقاد أو الظن كما أن الكراهة نفرة تتبع اعتقاد الضر أو ظنه . وأما عند الأشاعرة فهي صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع غير مشروطة باعتقاد النفع أو ظنه ولا بالميل الذي يتبع أحدهما ويرجحه على الآخر لمجرد إرادته من غير أن يتوقف في ترجيحه على ملاحظة داع يدعوه إلى اختياره من اعتقاد نفع فيه أو ظنه . وذلك لأن الإرادة توجد بدونهما كالهارب من السبع إذا عنّ له طريقان متساويان في الإفضاء إلى الخلاص منه فإنه يختار أحدهما ويرجحه على الآخر ، وكذا العطشان إذا كان عنده قدحان من ماء وفرض استواؤهما من جميع الوجوه ، أو الجايع إذا كان عنده رغيفان . كذلك فإنه يختار أحدهما لمجرد إرادته من غير اعتقاد نفع يخص به ولا ظنه ، وإذا ثبت وجود الإرادة بدون اعتقاد النفع أو ظنه ثبت وجودها بدون الميل التابع لهما ضرورة أن التابع لا يوجد بدون المتبوع ولما وجدت الإرادة بدونهما ظهر أنها لا تكون عين أحدهما ولا مشروطة به أيضا فلا يصح تفسيرها بأحدهما أصلا . قوله : ( وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به ) لأنه سبحانه وتعالى منزه عن نزوع النفس وميلها وعن الصفة القائمة بالقلب الكائنة مبدأ للنزوع المذكور وبالجملة الإرادة بكل واحد من المعنيين من صفات الأجسام وهو سبحانه وتعالى منزه عن الجسمية ولذلك اختلفوا في معنى إرادته سبحانه وتعالى . فذهب أهل السنة وبعض المعتزلة إلى أن الإرادة في حقه سبحانه وتعالى صفة زائدة مغايرة للعلم والقدرة مرجحة لبعض مقدوراته على بعض ، وذكر في شرح المقاصد : أن النجار من المعتزلة قال : إن إرادة اللّه تعالى هي كونه غير مكره ولا ساه ، وأن الكعبي وكثيرا من معتزلة بغداد قالوا : إن إرادة اللّه تعالى لفعله هو علمه به أو كونه غير مكره ولا ساه ولفعل غيره هو الآمر به حتى أن
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 455 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين