الشرط فأدخلوا الخبر وعوّضوا المبتدأ عن الشرط لفظا . وفي تصدير الجملتين به إحماد لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم وذم بليغ للكافرين على قولهم . والضمير في أنّه للمثل أو لأن يضرب والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره يعمّ الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة
شرح
المفعول الأول فقط والثاني محذوف عند الأخفش أي فيعلمون حقيقته ثابتة ، وقال الجمهور :
لا حاجة إلى ذلك لأن وجود النسبة فيما بعد « إن » كاف في تعلق العلم بهما . وقوله تعالى :مِنْ رَبِّهِمْحال من الضمير المستتر في الحق أي كائنا وصادرا منه والعامل معنى الحق .
وتقدير الكلام أن يقال : مهما يكن من شيء فالذين آمنوا يعلمون أن ضرب المثل بما ذكر حق صادر من ربهم لمماثلة الممثل به والكافر عنده تعالى أحقر من البعوضة والدنيا أحقر من جناحها كما نطق به الحديث .
قوله : ( وفي تصدير الجملتين به ) أي بلفظ « أما » حيث لم يقل : فالذين آمنوا والذين كفروا . وفي الصحاح : الحمد نقيض الذم وأحمد الرجل صار أمره إلى الحمد ، وأحمدته أي وجدته محمودا . تقول : أتيت موضع كذا فأحمدته أي صادفته محمودا موافقا للمقصود من المنزل وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه إلى هنا كلامه . والمراد بالإحماد ههنا إظهار كون أمر المؤمنين محمودا وأن علمهم بكون ضرب المثل بما ذكر حقا كان أمرا معتدا به عنده سبحانه وتعالى . وفي الحواشي القطبية : قوله إحماد أي حكم بكونه محمودا كالإكفار الذي هو حكم بكونه كافرا . وقال شرف الدين الطيبي رحمه اللّه تعالى وتجاوز عنه : هو ليس من أحمدته أي صادفته محمودا وإنما هو من أحمدت صنيعه أي رضيته ، وأحمدت الأرض رضيت سكناها . والوجه في إفادة التصدير المذكور الإحماد والذم المذكورين ما مر من أن لفظ « أما » حرف يؤكد ما به صدر ويدل على أن المحكوم به فيه أمر لازم للمحكوم عليه البتة بحيث لا ينفك عنه بشيء من الحوادث والموانع ، فيدل على أن علم المؤمنين بكونه حقا وجهل الكافرين بذلك أمر لازم لهم على كل حال فهو إحماد لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم من حيث كونه ثابتا لا يقبل الزوال بتشكيك أحد وذم بليغ للكافرين على قولهم : ما ذا أراد اللّه بهذا مثلا ، من حيث إنه كما يدل على جهلهم بحقيقة التمثيل وحكمته وسره يدل أيضا على لزوم الجهل لهم بحيث لا ينفك عنهم أبدا . وفي التعبير عن جهلهم بما يلزمه ويتفرع عليه وهو مقالتهم الحمقاء : ما ذا أراد اللّه بهذا مثلا مبالغة في ذمهم وبيان جهلهم حيث آثر طريق الكناية على طريق التصريح فإن مقابلة حالهم بحال المؤمنين تقتضي أن يقال : وأما الذين كفروا فلا يعلمون أنه الحق لكن عدل عنه إلى قول هو لازم جهلهم وكناية عنه للمبالغة في ذمهم لأن ذكر اللازم وإرادة الملزوم بمنزلة إثبات الدعوى بالبينة وتنوير الشأن بالبرهان .
قوله : ( والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره يعمّ الأعيان الثابتة ) بأنفسها والأفعال الصائبة الثابتة