شرح
في جوابه الرفع على أنه خبر مبتدأ وجوابه محذوف ، والتقدير مراد اللّه بهذا المثل إهداء كثير وإضلال كثيرا وأن يضل كثيرا ويهدي كثيرا . وإن كانت مع « ذا » اسما واحدا بمعنى أي شيء منصوب المحل على أنه مفعول « أراد » بمعنى أي شيء أراد اللّه يكون السؤال جملة فعلية ويكون الأحسن في جوابه النصب ليكون الجواب أيضا فعلية ، ويكون التقدير أراد اللّه إضلال كثير وإهداء كثير أو أن يضل ويهدي . وعلى التقديرين يكون الموضع موضع أن يعبر بالمصدر أو بما هو في معناه إلا أنه عدل عنه إلى لفظ الفعل المضارع للإشعار بالتجدد والحدوث فيكون الفعلان المذكوران في تأويل المصدر كما في قوله : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه . قوله : ( أو بيان للجملتين ) أي ويجوز أن يكون قوله تعالى :يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراًجملتين مستأنفتين لا محل لهما من الإعراب لأنهما كالبيان والتفسير للجملتين قبلهما من حيث إن فيه تصريحا بكثرة الفريقين المذكورين في تينك الجملتين ولا تصريح بها فيهما . وإن في قوله :وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراًبيان أن علمهم بما ذكر إنما هو بتعليم اللّه تعالى وإرشاده ، وفي قوله تعالى :يُضِلُّ بِهِ كَثِيراًبيان أن قولهم :ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًاليس سؤال استكشاف بل هو سؤال استهزاء واستحقار وغواية وأن هذه الغواية إنما هي بخلق اللّه وقدرته وإرادته . قوله : ( وتسجيل ) أي حكم قطعي بأن العلم بكونه حقا هدى أي اهتداء ووجدان لطريق الحق وبيان أي ظهور وانكشاف لتلك الطريق وأن الجهل بوجه إيراده والإنكار لحسن مورده ضلال أي فقدان لطريق الحق ، وفسوق أي خروج عن تلك الطريق .
وقيل : هما في محل نصب على أنهما صفتان « لمثلا » أي مثلا يفرق الناس به إلى ضلال ومهتدين وهما على هذا من كلام الكفار . وأجاز أبو البقاء رحمه اللّه أن يكون حالا من اسم اللّه تعالى أي مضلا به كثيرا وهاديا به كثيرا . قوله : ( وكثرة كل واحد من القبيلين الخ ) جواب عما يقال : كيف وصف المهتدين هنا بالكثرة وهم قليل لقوله تعالى :وَقَلِيلٌ ما هُمْ[ ص : 24 ] وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ[ سبإ : 13 ] وأيضا القلة والكثرة مفهومان إضافيان فإذا وصف أحد الفريقين بالكثرة يكون الآخر لا محالة موصوفا بالقلة فكيف يصح أن يوصف كل واحد من القبيلين بالكثرة ؟ وأجاب عنه بوجهين : الأول أن المهتدين كثير في أنفسهم بحيث لا يكاد يحصى عددهم إلا أنهم قليلون باعتبار إضافتهم إلى أهل الضلال ، وتوصيف كل واحد من القبيلين بالكثرة بحسب ذواتهم وأنفسهم لا ينافي توصيفه بالقلة عددا بالقياس إلى مقابله كما في قوله تعالى :وَقَلِيلٌ ما هُمْ[ ص : 24 ] والوجه الثاني أنهم وإن كانوا قليلا في الصورة والعدد إلا أنهم كثيرون في الحقيقة في البلاد وإن قلوا أي صورة وعددا كما غيرهم قل وإن كثروا . والقل والقلة كالذل والذلة ، يقال : الحمد للّه على القل والكثر والقلة