تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
العالم وأحواله على ما نجده ونشاهده من نقص العقل وضعف البصيرة . واعلم أنّه لمّا كان معظم اللذّات الحسية مقصورا على المساكن والمطاعم والمناكح على ما دلّ عليه الاستقراء وكان ملاك ذلك كلّه الدوام والثبات فإنّ كلّ نعم جليلة إذا قارنها خوف الزوال كانت منغّصة غير صافية عن شوائب الألم بشّر المؤمنين بها ومثّل ما أعدّ لهم في الآخرة بأبهى ما يستلذ به منها وأزال عنهم خوف الفوات بوعد الخلود ليدلّ على كمالهم في التنعم والسرور .
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً
لمّا كانت الآيات السابقة
شرح
وضعف البصيرة ، وأن أمثال هذه الكلمات مبنية على القواعد الفلسفية وهي غير مسلمة عند المليين ولا صحيحة عند القائلين باستناد الحوادث إلى القادر المختار . قوله : ( واعلم أنه لمّا كان معظم اللذات الحسية ) احترز بقوله : « معظم اللذات الحسية » عن الالتذاذ بنحو الملابس وسماع الأصوات الحسنة فإن ذلك أدنى من الالتذاذ بالمساكن والمطاعم والمناكح ، كأنه جواب عما يقال : لم خص المساكن والمطاعم والمناكح بالذكر من جملة ما أعد لهم في الآخرة وصلح لأن يبشر به ؟ وفي الصحاح : ملاك الأمر وملاكه بالفتح والكسر ما يقوم به هو ، ويقال : القلب ملاك الجسد . قوله : ( كانت منغصة ) بالغين المعجمة والصاد المهملة أي مكدرة ، يقال : نغص اللّه عليه العيش تنغيصا أي كدره . قوله : ( بشر المؤمنين ) جواب « لما » وضمير « بها » راجع إلى المساكن وأخويها وضمير « منها » راجع إلى نعم جليلة أو إلى اللذات الحسية . قوله : ( ومثل ما أعد لهم في الآخرة ) أي شبهه بأحسن ما يستلذ به من اللذات الحسية وهي المساكن والمطاعم والمناكح . عبر عن ذلك المعد بما يعبر به عنها مع أنها لا تشاركها في تمام حقيقتها ولا في منافعها المالية . قوله : ( ليدل على كمالهم في التنعم والسرور ) فإن النعمة وإن كثرت وجلت ينغصها خوف انقطاعها . وكلما كانت النعمة أعظم كان خوف انقطاعها أعظم وقعا في القلب فكان صاحبها ما دام خائفا من زوالها مستغرقا في بحر الغم والحسرة ، وإذا علم دوامها كل تنعمه وسروره وصفا قلبه عن شوب الكدر يتوهم زوالها وانقطاعها ومن كان في نعمة يراقب انقطاعها .فذلك في بؤس وإن كان في نعمقوله : ( لمّا كانت الآيات السابقة ) وهي الآيات المذكورة من أول السورة إلى هذه الآية متضمنة لأنواع التمثيل . والمراد من التمثيل ههنا التشبيه مطلقا سواء كان في المفرد أو في المركب على وجه الاستعارة أو غيرها ، وليس المراد منه التمثيل أو الاستعارة التمثيلية فقط . ويدل عليه سياق كلامه من نحو قوله : فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم ، وقد سبق أن اللّه ذكر المنافقين بعد ذكر الكفار وذكر لهم مثلين فقال :مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ