متضمنة لأنواع من التمثيل عقّب ذلك ببيان حسنه وما هو الحقّ له والشرط فيه ، وهو أن يكون على وفق الممثّل له من الجهة التي يتعلّق بها التمثيل في العظم والصغر والخسّة والشرف دون الممثّل ، فإنّ التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعنى الممثّل له ورفع الحجاب عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه . فإنّ المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم لأن من طبعه
شرح
ناراًوقال :أَوْ كَصَيِّبٍوقال في حقهم أنهم :صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌوقال في حق الكفار :خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْإلى غير ذلك . قوله : ( عقب ذلك ) جواب « لما » ولفظ « ذلك » إشارة إلى الآيات السابقة بتأويل المذكور أي أورد عقيبها ما يدل على حسن التمثيل وعلى الشيء الذي هو أي التمثيل حق لأجل ذلك الشيء ، وذلك الشيء هو شرط في قبول التمثيل عند أهل اللسان على أن يكون قوله : « والشرط » عطفا على قوله : « وما هو الحق له » وفيه ركاكة التفكيك ، والظاهر أن هو راجع إلى « ما » وضمير « له » راجع إلى التمثيل وكذا ضمير « فيه » . فقوله : « والشرط » عطف على قوله : « الحق » أي وبيان الشيء الذي ذلك الشيء حق التمثيل لازم له وشرط في قبوله عند العقلاء ، وذلك الشيء يكون على وفق الممثل له دون الممثل وبيان حسنه مستفاد من قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَهافإنه تعالى لما لم يترك ضرب المثل ظهر أنه حسن لا يشوبه شائبة قبح ، فإن أفعاله تعالى كلها حسنة بلا مرية ومشتملة على حكم بالغة يهتدي إليها أولوا الألباب المهتدون . وأما الكفرة الضالون فإن كفرهم وإصرارهم على الباطل صرف وجوه أفكارهم عن حكمة المثل إلى حقارة الممثل به فقوله : « لما سمعوا » قوله تعالى :مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ[ العنكبوت : 41 ] وقوله :إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ[ الحج : 73 ] وأيضا لما رأوا أنه تعالى ضرب المثل بالمحقرات كالنحل والنمل وغير ذلك استنكروها وقالوا : ذكر هذه الأشياء لا يليق بكلام الفصحاء واشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلا عن كونه معجزا . فرد عليهم بقوله : إن اللّه تعالى مع كمال حكمته لا يترك ضرب المثل بالمحقرات لاستدعاء الحكمة ضرب المثل بها وذلك لأن الحكمة في التمثيل بيان حال الممثل له بإبرازه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم العقل ولا ينازعه فيما حكم به كما هو شأنه ، لأنه إنما يدرك المعاني الجزئية المنتزعة من الجزئيات المحسوسة آخذا من الحس المشترك ولا يدرك المعاني المعقولة فينازع العقل في مدركاته بقياسها على مدركات نفسه فيغلط كثيرا لذلك ، وبتمثيل المعنى الكلي الممثل له وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس يساعد الوهم العقل ويصالحه ويترك المنازعة معه فيكشف المعنى