الميل إلى الحسّ وحبّ المحاكاة ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الآلهية وفشت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء ، فيمثّل الحقير بالحقير كما يمثّل العظيم بالعظيم ، وإن كان الممثّل أعظم من كل عظيم كما مثّل في الإنجيل غلّ الصدر بالنخالة والقلوب القاسية بالحصاة ومخاطبة السفهاء بإثارة الزنابير . وجاء في كلام العرب : اسمع من قراد وأطيش من فراشة وأعزّ من مخّ البعوض ، لا ما قالت الجهلة من الكفّار لمّا مثّل اللّه حال
شرح
الممثل له . قوله : ( الميل إلى الحس ) أي إن الوهم يميل إلى الصور المحسوسات والمحاكاة والمشابهة والمقايسة . قوله : ( ولذلك ) أي ولكون التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعنى الممثل له . وقوله : « وإن كان الممثل » هو على صيغة اسم الفاعل « والنخالة » ما يبقى في المنخل بعد ما يخرج منه الدقيق الخالص . شبه في الإنجيل صدر من يقول بالبر ولا يعمل به بالمنخل ، وشبه غل الصدر بالنخالة . روي أن اللّه تعالى قال في الإنجيل : لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم . وشبه أيضا فيه القلوب القاسية بالحصاة حيث قيل فيه : قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا ينسفها الريح . ومثل مخاطبة السفهاء فيه أيضا بإثارة الزنابير حيث قال فيه : لا تثيروا الزنابير فتلدغكم فكذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم . قوله : ( وجاء في كلام العرب ) يعني أن التمثيل بالمحقرات كما جاء في الإنجيل جاء في كلام العرب أيضا حيث قالوا في التمثيل بالقراد : أسمع من قراد وأصغر من قراد وأعلق من قراد ، وفي التمثيل بالفراشة : أضعف من فراشة وأجهل من فراشة وأطيش من فراشة أي أخف ، وفي التمثيل بالبعوضة ومخها كقولهم : أعز من مخ البعوض أي لا يوجد أحد كاملا كما لا يوجد مخ البعوض وقولهم : كلفني مخ البعوض مثل في تكليف ما لا يطاق ، وفي التمثيل بالذرة وهي أصغر النمل : أجمع من الذرة وأخفى من الذرة قيل : إن الذرة تجمع قوت سبع سنين ، وفي التمثيل بالذباب : الخ من الذباب وأجرأ من الذباب وجراءته أنه يقع على أنف الأمير وجفن الأسد ولحاحه أنه كلما دفع وطرد وذب آب ولما كان بحيث كلما ذب آب سمى ذبابا . وزعمت العرب أن القراد يسمع الهمس الخفي من وقع أخفاف الإبل على مسيرة سبع ليال فيتحرك في العطن ويقصد الطريق فإذا رأته اللصوص يتيقنون أن القافلة أقبلت ، والعطن مبرك الإبل عند الماء لتشرب الماء ، والفراشة التي تطير وتتهافت السراج . قوله : ( لا ما قالت الجهلة من الكفار ) الظاهر أنه معطوف على قوله : « وهو أن يكون على وفق الممثل له دون الممثل » كأنه قيل : إن حسن التمثيل وحقه وشرطه أن يكون على وفق الممثل له دون الممثل لا ما قالت الجهلة : من أن حقه وحسنه أن يكون على وفق الممثل ولا يليق بعظمة اللّه تعالى شأنه وجلت كبرياؤه أن يمثل بنحو