تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١
المنافقين بحال المستوقدين وأصحاب الصيب وعبادة الأصنام في الوهن والضعف ببيت العنكبوت وجعلها أقلّ من الذباب وأخسّ قدرا منه اللّه أعلى وأجلّ من أن يضرب الأمثال ويذكر الذباب والعنكبوت . وأيضا لما أرشدهم إلى ما يدلّ على أن المتحدّى به وحي
شرح
الذباب والعنكبوت . فإن علو شأنه وعظمته وجلاله ينافي أن يحسن منه ضرب الأمثال بالمحقرات بل هو حسن منه تعالى وجلّ اسمه لوجود شرط حسنه وهو موافقتها لحال الممثل له . قوله : ( اللّه أعلى وأجل ) مقول قوله : « قالت الجهلة » . والحاصل أن الممثل يستدعيه حال الممثل له فكلما كان أعظم كان الممثل له أعظم وكلما أحقر كان الممثل له أحقر لقوله تعالى :وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى[ النحل : 60 ] فيلزم أن يكون لآلهتهم المثل الأدنى لأنها جمادات لا قوة لها ولا شعور ، إذ الغرض من التمثيل تصوير المعقول بصورة المحسوس . وتقرير المعنى المراد في النفس ولا يعارض العقل في المعاني إلا الوهم لميله إلى الحس وامتناع إدراكه المعاني الكلية فإذا مثل المعنى العقلي بصورة محسوسة أذعن له وانقاد وقبل المعنى المراد . قوله : ( وأيضا لما أرشدهم الخ ) وجه ثان لبيان ارتباط هذه الآية بما قبلها فيكون معطوفا على قوله : « لما كانت الآيات السابقة » الخ . محصول الوجه الأول أن هذه الآية مربوطة بالآيات السابقة المتضمنة لأنواع التمثيل وهذه الآية بيان لحسنه وحقه وشرط قبوله ، فإن ما لم يتركه اللّه تعالى يكون مشتملا على حكمة بالغة . ومحصول هذا الوجه أن ما قبلها استدلال بإعجاز المتحدى به على كونه وحيا آلهيا قد رتب عليه وعيد من كفر به حيث قيل :فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُواالآية ووعد من آمن به حيث قيل :وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواالآية . وهذه الآية جواب ما طعنوا فيه به فهي مربوطة بآية التحدي بالقرآن ذكرت منعا عن الطعن فيه وتنبيها على أن القرآن لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحي أن يمثل بها لحقارتها . وفيه إشارة إلى أن الآية من قبيل المجاز المرسل على طريق ذكر الملزوم وإرادة اللازم حيث ذكر الاستحياء من ضرب المثل بالبعوضة وأريد تركه الذي هو لازم للاستحياء ، فيكون يستحي بمعنى يترك استحياء وانقباضا عن ملابسة ما يعاب عليه . وأشار بقوله : « ترك من يستحي » بصورة التشبيه إلى أن قوله تعالى :لا يَسْتَحْيِيلا يترك بمعنى لا يترك ضرب المثل استعارة تبعية من حيث إنها اعتبرت أولا في المصدر ثم سرت إلى الفعل المشتق ثانيا بالتبعية . فإنه شبه ترك ضرب المثل بالبعوضة بتركه ضربه حياء لحقارتها وكون التمثيل بها مظنة للذم والتعبير فأطلق على الترك المشبه بالترك حياء استعارة تبعية أصلية ، ثم اشتق منه ترك فقيل : ترك اللّه ضرب المثل بالبعوضة حياء . ولما كان الترك المذكور لازما للاستحياء عبر عنه بالاستحياء مجازا مرسلا على طريق ذكر الملزوم وإرادة