مثل قوله تعالى :
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
[ الأنبياء : 34 ] لكن المراد منه الدوام ههنا عند الجمهور لما يشهد له من الآيات والسّنن فإن قيل : الأبدان مركبة من أجزاء متضادّة الكيفية معرّضة للاستحالات المؤدّية إلى الانفكاك والانحلال فكيف يعقل خلودها في الجنان ؟ قلت : إنّه تعالى يعيدها بحيث لا تعتورها الاستحالة بأن يجعل أجزائها مثلا متقاومة في الكيفية متساوية في القوى لا يقوى شيء منها على إحالة الآخر متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض كما يشاهد في بعض المعادن ، هذا وأن قياس ذلك
شرح
قوله : ( مثل قوله تعالى : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) مثال لكون لفظ الخلد موضوعا للمعنى الأعم من الدوام فاستعمل فيه لا باعتبار خصوصه بل باعتبار كونه من أفراد ذلك العام ، فإن لفظ الخلد فيه موضوع للثبات المديد مطلقا أي دائما كان أو غير دائم ، إلا أنه استعمل في الثبات الدائم لأن المنفي هو الخلد بمعنى الثبات الدائم للعلم بأن ما لا يدوم منه ليس بمنفي لطول عمر بعضهم . قوله : ( لكن المراد منه الدوام ههنا عند الجمهور ) استدراك على قوله : « الخلد » والخلود في الأصل الثبات المديد دام أو لم يدم يعني أن الخلود وإن كان موضوعا للثبات المديد مطلقا إلا أن المراد به في هذه الآية هو الثبات الدائم عند جمهور المسلمين . أما عند المعتزلة فلما مر من أنهم يفسرونه بالثبات الدائم والبقاء المؤبد اللازم ، وأما عندنا فلاعتبار القرينة الدالة على أن المراد هو الدوام وهو الآيات والأحاديث الدالة على أن أهل الجنة خالدون فيها أبدا . قوله : ( فإن قيل : الأبدان مركبة ) لما ادّعى أن المراد بالخلود ههنا الدوام واستدل عليه بشهادة الآيات والسنن له أورد معارضة تدل على استبعاد ذلك . قوله : ( معرضة ) صفة ثانية أي مركبة من أجزاء موصوفة بأن جعلت التحولات معرضة لها . يقال : عرضت فلانا لكذا فتعرض هو له . وفي الصحاح : عرضت له الشيء أي أظهرته له وأبرزته إليه ، ويقال : عرضت له ثوبا مكان حقه . فإذا قلت : عرضت الأجزاء للتحول كان معناه أظهرتها له وأبرزتها إليه فتعرض هو لها . وقال الفاضل العلامة شمس الملة والدين التفتازاني حشره اللّه في زمرة عباده المقربين في تفصيل فعل بتشديد العين : إنه قد يكون بمعنى فعل المخفف كزاله وزيله وورق الشجر وورق ، فقولك : عرضت الأجزاء للتحول بمعنى عرضتها له فتعرض هو لها . قوله : ( بأن يجعل أجزاءها مثلا متقاومة في الكيفية ) أي بأن يجعل أجزاءها بحيث تقاوم كيفية كل جزء كيفية الأجزاء الباقية ولا تنفعل عنها . قوله : ( كما يشاهد في بعض المعادن ) كالذهب والفضة والزيبق . قوله : ( هذا ) أي اعتمد على هذا ولا تلتفت إلى أمر المبطلين . ولما تمسك المعارض في إثبات ما زعمه من استبعاد الخلود الأبدان في الجنات بمعنى الثبات الدائم بقياس ذلك العالم وأحواله على ما نجده ونشاهده في هذا العالم . أجاب عنه بأنه قياس الغائب على الشاهد وأنه من نقصان العقل