المديد دام أو لم يدم ولذلك قيل للأثافي والأحجار : خوالد وللجزء الذي يبقى من الإنسان على حاله ما دام حيا خلد ، ولو كان وضعه للدوام كان التقييد بالتأبيد في قوله تعالى :
خالِدِينَ فِيها أَبَداً
[ النساء : 57 ] وآيات أخرى . واستعماله حيث لا دوام كقولهم : وقف مخلّد ، يوجب اشتراكا أو مجازا والأصل ينفيهما بخلاف ما لو وضع للأعمّ منه فاستعمل فيه بذلك الاعتبار كإطلاق الجسم على الإنسان
شرح
تعالى :وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ[ العنكبوت : 64 ] وقوله تعالى :لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍآيات كثيرة واستدل المصنف على كون لفظ الخلد للثبات المديد مطلقا دام أو لم يدم بوجوه منها : تسمية الأثافي والأحجار خوالد لبقائها في الجملة بعد دروس الأطلال . والأثافي جميع أثفية وهي الأحجار الثلاثة التي يوضع عليها القدر لطبخ الطعام ومنها يقال للجزء الذي يبقى على حاله من الإنسان ما دام الإنسان حيا خلد وذلك الجزء هو قلب الإنسان فإن الإنسان لا ينفك عنه ما دام حيا ولا يلزم منه أن يسمى الرأس به أيضا لأن وجه التسمية مصحح لها لا موجب فلا يلزم فيه الاطراد . ومنها أن وضعها لو كان للدوام لكان قوله تعالى :خالِدِينَ فِيها أَبَداً[ النساء : 57 ] وآيات أخرى لغوا بمعنى أنه لا يفيد فائدة جديدة ، وحمل الكلام على التأسيس واجب ما أمكن ولا يحمل على التأكيد إلا لضرورة . ومنها أن وضعه لو كان للدوام لكان استعماله حيث لا دوام يوجب اشتراكا إن تعدد الوضع أو مجازا إن لم يتعدد والأصل عدمهما فلا يعدل عنه من غير ضرورة . وظهر من هذا التقرير أن قوله : « واستعماله حيث لا دوام » معطوف على قوله : « التقييد » أي ولكان استعماله فيه يوجب اشتراكا . قوله : ( بخلاف ما لو وضع للأعمّ منه ) أي من الدوام فاستعمل فيه أي في الدوام بذلك الاعتبار أي باعتبار وضعه للأعم وكون الدوام من أفراده لا يوجب اشتراكه ولا كونه مجازا لأن استعمال اللفظ الموضوع للمعنى الأعم في أفراده باعتبار ذلك المعنى الأعم حقيقة . وأما إذا استعمل في فرد من أفراده باعتبار خصوصه كاستعمال لفظ الحيوان في زيد باعتبار هويته ونفسه خاصة فإنه حينئذ يكون مجازا لا حقيقة كما مر آنفا .
وقوله : « بخلاف ما لو وضع للأعم منه » الخ إشارة إلى جواب معارضة أوردها المعتزلة وهي أن يقال : لو لم يكن وضعه للدوام لكان استعماله حيث يكون فيه دوام كما في هذه الآية يوجب اشتراكا أو مجازا والأصل ينفيهما . وحاصل الجواب منع الملازمة بأن يقال :
لا نسلم أنه لو لم يكن وضعه للدوام لكان استعماله في الدوام موجبا للاشتراك أو التجوز ، وإنما يلزم ذلك لو كان استعماله فيه باعتبار خصوصه وليس كذلك بل كان استعماله فيه باعتبار وضعه للأعم ، وكونه فردا من أفراد الأعم كاستعمال الجسم في الإنسان باعتبار كونه جسما فإنه حقيقة .