شرح
قال اللّه تعالى :فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ[ المؤمنون : 27 ] وقال تعالى :ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ[ الأنعام : 143 ؛ الزمر : 6 ] من الأنواع الأربعة : الإبل والبقر والضأن والمعز كأنه جواب عما يقال : من أنه تعالى وصف الجنات الموعودة لهم بأن قال في حقها :وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌوكان الظاهر أن يقال : ولهم فيها زوجات مطهرة لأن المراد بالأزواج ههنا نساء الدنيا وحور الجنة جميعا قال تعالى :إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً[ الواقعة : 35 - 37 ] وقال :وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ[ الدخان : 54 ] فلم قيل :
أزواج ؟ وتقدير الجواب أنه قيل :وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌوهو جمع زوج ولم يقل زوجات بناء على أن الزوج كما يقال للذكر كما في قوله تعالى :فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ[ البقرة : 230 ] يقال أيضا للأنثى كما في قوله تعالى :اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ[ البقرة : 35 ] [ الأعراف : 19 ] ويقال : زوج الرجل امرأته ولا يقال : زوجة الرجل إلا قليلا . قال الأصمعي : لا تكاد العرب تقول زوجة . ونقل الفراء أنها لغة تميم ، فنزل القرآن ههنا على اللغة الشايعة في حق الإناث وأن لفظ الزوجة يطلق على الأنثى على قلة كما روى البخاري في صحيحه عن عمار بن ياسر أنه قال في حق عائشة رضي اللّه تعالى عنها واللّه : إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة . قوله : ( وهو في الأصل لما له قرين من جنسه ) حيوانا كان أو غيره زوج الخف والنعل والباب ، ثم خص في العرف لكل من الحيوانين المتقارنين المختلفين ذكورة وأنوثة . قوله : ( وهي مستغنى عنها في الجنة ) والذي لا يترتب عليه فوائده وما هو المقصود منه يكون عبثا بل لا يصح إطلاق اسم ذلك الشيء عليه . ولذلك طعن في هذه الآية وأمثالها من المتفلسفين والطبيعيين وقالوا : إن الجنة لا يصح فيها الأكل والشرب فإن الأكل لا يطيب إلا عن جوع والجوع مرض وأذى والأكل مداواة ، ولا مرض ولا أذى في الجنة . ثم إن الطعام . يصير بعضه ثقلا بعد طبخ المعدة إياه فيخرج من البدن وبعضه يصير غداء يزيد في البدن بقدر ما تحلل منه وإلا خرج به البدن عن الاعتدال . وكل ذلك لا يصح إلا في دار الكون والفساد دون دار الخلد والبقاء . وحاصل الجواب أن انتفاء الفائدة المالية لا يقتضي العلية وإنما يلزم ذلك إذا انتفت الفائدة الحالية وهي غير منتفية ههنا لحصول التنعم والتلذذ بتناولها ومباشرتها ، وهذا القدر من الفائدة يكفي لصحة إطلاق الاسم لا سيما أن تسمية مطاعم الجنة ومناكحها وسائر ما فيها بأسماء نظائرها الدنيوية إنما هي على سبيل الاستعارة والتمثيل كما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء ، يعني أن ما في الجنة من النعيم لا يشارك ما في الدنيا في تمام حقيقته حتى يجب تساويهما في اللوازم والخواص ، فلا يجب أن يفيد ما في الجنة عين فائدة