وهو أن مستلذّات أهل الجنة في مقابلة ما رزقوا في الدنيا من المعارف والطاعات متفاوتة في اللذة بحسب تفاوتها فيحتمل أن يكون المراد من هذا الذي رزقنا أنه ثوابه من تشابههما تماثلهما في الشرف والمزية وعلو الطبقة فيكون هذا في الوعد نظير قوله :
ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ العنكبوت : 55 ] في الوعيد .
وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ
مما يستقذر من النساء ويذمّ من أحوالهن كالحيض والدرن ودنس الطبع وسوء الخلق ، فإن التطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال . وقرىء مطهّرات وهما لغتان فصيحتان ، يقال : النساء فعلت وفعلن
شرح
القوة العملية وأتوا بما رزقوا في الدارين يشبه بعضه بعضا . فإن ما رزقوا في الدنيا من الخيرات المرتبة المؤدية إلى نعيم الجنة يتفاوت نوعا وصنفا كالحج والزكاة والصوم والصلاة ونحوه وكل من ذلك مختلف في نفسه بالقلة والكثرة وبزيادة الخشوع والحضور والإخلاص ونقصانه ، وبحسب تفاوته بتفاوت ما رزقوا في الجنة من الثواب والجزاء فإن كان العمل في أعلى المراتب أو في أوسطها كان الجزاء كذلك فأهل الجنة يؤتون بما رزقوا فيها متشابها لما رزقوا به في الدنيا في الشرف والمزية وعلو الطبقة . فهذا الوعد في ابتنائه على حذف المضاف نظير قوله في الوعيد :ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[ العنكبوت : 55 ] أي ذوقوا جزاءه .
قوله : ( مما يستقذر ) أي يستكره ويعد قذرا وهو ضد النظافة يقال : استقذرت الشيء أي كرهته ، وهو متعلق بقوله :مُطَهَّرَةٌفإن حور الجنة التي هن أزواج أهلها مطهرات الأجسام مما يستكره شرعا كالحيض والنفاس والبول والغائط والمذي ، أو طبعا كالدرن والبزاق والمخاط . ومطهرات الأخلاق ليس فيهن شيء من الأخلاق الذميمة كالحسد والبخل والكبر والعجب ونحوها ، ومطهرات الأفعال لا يصدر عنهن فعل قبيح . فقوله تعالى :مُطَهَّرَةٌيتناول التطهير المتعلق بهذه الثلاثة جميعا فقوله : « فإن التطهير » الخ علة له وهو إشارة إلى جواب سؤال مقدر وهو أن يقال : التظهير حقيقة في تطهير الأجسام من النجاسة والدرن ومجاز في تطهير الأخلاق والأفعال ، أو حقيقة في التطهير من النجاسة ومجاز في الباقي ، ففي استعماله في الجميع جمع بين الحقيقة والمجاز . وتقرير الجواب أنّا لا نسلم أنه حقيقة فيما ذكر خاصة فإن شيوع استعماله في عرف العامة والخاصة في الجميع يدل على أنه حقيقة في القدر المشترك بينها . قوله : ( وهما لغتان فصيحتان ) يعني أن كل واحد من إفراد ما أسند إلى ضمير الجمع ، وجمعه لغة فصيحة يفرد بناء على تأويل لفظ الجمع بالجماعة ويجمع رعاية للفظ الجمع . واختير الإفراد في الآية على القراءة المشهورة ،