لمحافظته على عموم كلما فإنه يدل على ترديدهم هذا القول كلّ مرة رزقوا والداعي لهم إلى ذلك فرط استغرابهم وتجحّحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتّشابه البليغ في الصورة .
وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
اعتراض يقرّر ذلك والضمير على الأول راجع إلى ما رزقوا
شرح
الجنة لكون المعنى الأول أحفظ في سياق الكلام لمعنى العموم المستفاد من كلمة « كلما » حيث يتأتى لهم أن يقولوا في جميع مرات ما رزقوا في الجنة : هذا الرزق هو الذي رزقناه في الدنيا . بخلاف ما لو كان معناه هو المرزوق الآن هو الذي رزقناه من قبل في الجنة فإنه لا يتأتى هذا هو الذي رزقناه الآن من قبل في الجنة قبل ذلك بشيء حتى يقال هذا هو ذلك . قوله : ( والداعي لهم إلى ذلك ) أي إلى تكرير هذا القول كل مرة رزقوا أي ليس الداعي إلى قلة رغبتهم فيه بسبب كثرة تناولهم إياه في الدنيا بناء على أن تكرير أكل الشيء وإن كان لذيذا نفيسا يقلل الرغبة فيه بل يوجب نفرة الطبع منه بل الداعي إليه أن ما وجدوه من التفاوت العظيم بين ثمار الجنة وثمار الدنيا يجلب لهم في كل مرة كمال السرور ونهاية التعجب بحيث دعا ذلك إلى أن يقولوا هذا الجنس هو الذي رزقناه في الدنيا وهو أعظم فضيلة وأبين مزية والتجحّح بتقديم الجيم على الحاء الفرح . الجوهري : التجح الفرس وتجحته تحجيحا فتجح أي فرحته ففرح .
قوله : ( اعتراض يقرر ذلك ) أي يقرر ما فهم من الكلام السابق من تشابه أرزاق الدنيا وأرزاق الجنة لأن ذلك التشابه يفهم من الكلام السابق سواء جعل هذا إشارة إلى نوع ما رزقوا أو إلى عينه . وفي « الحواشي السعدية » جعله اعتراضا مبني على رأي من يجوّز الاعتراض في آخر الكلام ومن لا يجوزه فيه يجعله تذييلا وهو أن يعقب الكلام بما يشتمل على معناه توكيدا . وأصل « أتوا » « اتيوا » على وزن ضربوا أي أتاهم وجاءهم به الولدان والخدم ، فلما بنى الفعل للمفعول حذف الفاعل وأقيم المفعول مقامه . والضمير المجرور في « به » على الأول وهو كونه معناه من قبل هذا في الدنيا راجع إلى ما رزقوه في الدارين ومتشابها حال من الضمير الذي فيه « به » . كأنه قيل : أتوا بما رزقوا في الدارين يشبه بعضه بعضا في المنظر والصورة وهو إشارة إلى جواب سؤال مقدرة تقدير السؤال : إن إفراد ضمير « به » لا يلايم السياق والسباق : أما الأول فلأنه راجع إلى أمرين دل عليهما بقوله :هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُلأن المبتدأ أعني هذا إشارة إلى المرزوق في الآخرة ، وأن الخبر أعنيالَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُإشارة إلى المرزوق في الدنيا فالظاهر أن يقال : وأتوا بهما متشابهين .
وأما الثاني فلأن قوله :مُتَشابِهاًحال من الضمير في « به » والتشابه إنما يكون بين المتعدد وإفراد الضمير ينافي التعدد . وتقرير الجواب أن تعدد الألوان كان مقتضيا لتعدد ما رزقوا