النفس إليه أوّل ما رأت ، فإنّ الطباع مائلة إلى المألوف متنفّرة عن غيره وتبيّن لها مزيته وكنه النعمة فيه . إذ لو كان جنسا لم يعهد ظن أنه لا يكون إلا كذلك أو في الجنة لأن طعامها متشابه في الصورة كما حكي عن الحسن رضي اللّه تعالى عنه أن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك ، فيقول الملك : كل فاللون واحد والطعم مختلف . أو كما روي أنه عليه الصلاة والسّلام قال : « والذي نفس محمد بيده ، أنّ الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل اللّه تعالى مكانها مثلها » . فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك ، والأول أظهر
شرح
« في الدنيا » متعلق بقوله : « رزقنا » قوله : ( فإن الطباع مائلة إلى المألوف متنفرة من غيره ) يعني أنه جعل ثمر الجنة وثمر الدنيا متشابها ولم يجعل ثمر الجنة متميزا عن ثمار الدنيا في الجنس والصورة لأن الإنسان بالمألوف أنس وإلى المعهود أميل ، وإذا رأى ما لم يألفه نفر منه طبعه وعافته نفسه . قيل : فيه نظر لأن تجدد الصورة أحب إلى النفس وألذ لديها من مشاهدة معتاد . وقيل لكل جديد لذة والحديث المعاد مثل في الكراهة . ولا يخفى أن تجدد صورة الشيء الذي تستلذه النفس ويميل إليه الطبع يجلب الشوق والسرور وإن تجدد كل يوم ألف مرة ، بخلاف ظهور غير المألوف فإن النفس لا تميل إليه أول ما ترى وإنما تميل بعد ما تعرف ما فيه من وجوه الحسن والشرف . قوله : ( وتبين لها مزيته ) منصوب معطوف على قوله : « لتميل » أي ولتظهر للنفس فضيلة ثمر الجنة على ثمر الدنيا وكنه النعمة في ذلك الثمر . فإن الثمر المرزوق في الجنة لو كان من أفراد جنس لم يعهد لما ظهرت مزيته على سائر أفراد ذلك الجنس بل يظن أن جميع أفراده تكون هكذا ، وإذا لم يتبين لها أن هذا المرزوق له مزية على غيره لا يحصل لها زيادة فرح بحضوره لها مع أن حصولها هو المقصود من حضور نعيم الجنة عند أهلها . قوله : ( أو في الجنة ) عطف على قوله : « في الدنيا » فيكون متعلقا بقوله :« رُزِقْنا »أيضا . قوله : ( فيقول ذلك ) أي من أتى بالصحفةهذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُفي الجنة . قوله : ( أو كما روي ) عطف على قوله : « كما حكى » عطف عليه بكلمة « أو » لأنهما وإن اشتركا في الدلالة على التشابه بطعام الجنة صورة إلا أنهما مختلفان من حيث إن ما حكى يدل على تخالف طعام الجنة من حيث الطعم كما صرح به الملك . وما روي يدل على التماثل والتشابه في الصورة والطعم معا من حيث إن البدل الذي أشير إليه بهذا أبدل مكان ما شاءه أهل الجنة من الثمرة والظاهر أن ما ثبت في الشجرة الواحدة يتشابه صورة وطعما . قوله : ( فلعلهم إذا رأوها ) أي رأوا المثل الذي أبدل مكان ما تناولوه من الثمرة ، أنّث الضمير الراجع إلى المثل لكونه عبارة عن الثمرة . قوله : ( والأول أظهر ) أي كون معنى « من قبل » من قبل هذا في الدنيا أظهر من أن يكون معناه : قبل هذا في